تبدّت في الحوار المطوّل مع عالم الاجتماع السياسي المغربي محمد الطوزي مقاربة مغايرة للسائد لمسألة العلاقة بين الدين والدولة في بلدان المغرب العربي، انطلقت أولًا من قلب المعادلة المفهومية ذاتها؛ إذ اعتبر أن الأجدر الحديث عن “الدولة والدين” لا “الدين والدولة”، على أساس أن التشكل التاريخي لكيانات الحكم في التجربة الإسلامية يدل، في قراءته، على أن الدولة هي التي صنعت الدين الرسمي وأطّرت ممارسته، لا العكس، وأن القداسة ليست خاصية جوهرية للنص أو المؤسسة، بل نتيجة لفعل بشري يمنح صفة التقديس لما يختاره من نصوص ورموز.
هذا المنظور السوسيو ـ تاريخي، كما عُرض في النقاش، يبتعد عن القراءة الحرفية للنصوص التأسيسية أو عن استدعاء صورة “دولة المدينة” أو “الدستور النبوي” كما تتبنّاها الأدبيات الإسلامية الحركية، ويتجه بدل ذلك إلى تتبّع الكيفيات التي خيضت بها المعارك على السيادة السياسية داخل التاريخ الإسلامي؛ حيث برز مفهوم “لا عبودية إلا لله” بوصفه أصلًا عقديًا يمنح، من جهة، مشروعية لحق التمرّد على السلطان الجائر، لكنه من جهة أخرى يترك سؤال “مندوب السيادة الإلهية” مفتوحًا: هل هو الإنسان عمومًا، أم جماعة المسلمين، أم قبيلة، أم شخص بعينه؟ الصراع حول هذا السؤال كان، في رأي الطوزي، المهد الأرضي لنشوء نظرية الخلافة بصيغتها الإمبراطورية المتأخرة، كما للصيغ المختلفة لتبرير الاستبداد أو مقاومته.
في المقارنة بين نمط الدولة الإمبراطورية القديمة ونمط الدولة الوطنية الحديثة، جرى التشديد على أن الإمبراطورية الإسلامية، أموية كانت أو عباسية أو عثمانية أو مغربية، عرفت قدرًا من التعايش مع التعدد الديني والمذهبي والإثني، وإن داخل منطق تمايزي واستعلائي يكرّس وضع “الملة الغالبة” وامتيازاتها، إلا أنها لم تكن، في جوهرها، دولة ذات دين واحد متجانس، بل إطارًا سياسيًا يتسع لقوانين متعددة وجماعات متباينة؛ في حين أن الدولة الوطنية، كما تشكلت في القرن العشرين عربيًا، قامت على نزعة توحيدية صارمة: لغة واحدة، قانون واحد، حدود مرسومة، وهوية مرجعية موحَّدة، بما في ذلك إنتاج “أرثوذكسية أيديولوجية” قد تكون دينية أو علمانية لكنها تتصرف بوصفها دينًا مدنيًا جديدًا. هذا ما جعله يذهب إلى أن العلمانية، في تجلياتها الفرنسية مثلًا، أقرب إلى فرقة دينية ذات عقيدة وقيم وتمويل ومؤسسات، لا إلى حياد كامل عن الدين، وهو ما تؤيده نقاشات واسعة حول عدم تكافؤ تعامل الدولة الفرنسية مع الأديان المختلفة، وارتكاز هويتها التاريخية على خلفية كاثوليكية قوية رغم النص العلماني.
الخصوصية المغربية قُدمت في الحوار باعتبارها نموذجًا مكثّفًا لهذه الجدلية؛ فمؤسسة “إمارة المؤمنين” تُظهر، بحسب دراسات عديدة للطوزي وغيره، أن الملك يجمع في شخصه بين الشرعية السياسية والشرعية الدينية، وأن الدستور رسّخ هذا الوضع عبر فصلين متمايزين تقريبًا لسلطاته: فصل يحدد صلاحياته كرئيس دولة، وآخر يحدد صلاحياته كأمير للمؤمنين، بما يجعل وظيفة حماية الدين، وتأويله المعتمد، منوطة بالمؤسسة الملكية ومؤسساتها الرسمية المعنية بالشأن الديني. وبذلك يغدو المجال الديني مجالًا محجوزًا للدولة، لا تسمح بأن ينافسها فيه فاعلون إسلاميون مستقلون إلا في حدود مضبوطة، وهو ما يفسر طبيعة توترها المستمر مع حركات مثل “العدل والإحسان” وغيرها، كما يفسر، في الوقت نفسه، سعيها منذ مطلع الألفية إلى إعادة هيكلة الحقل الديني بعد أحداث 2003 في الدار البيضاء، عبر تكوين الأئمة والمرشدات، وترسيم مكوّنات “الإسلام المغربي” القائم على العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي والتصوف الجنيدي، في مواجهة المد الوهابي والسلفي والشيعي.
في المقابل، تناول الحوار النموذج التونسي بوصفه حالة لا يمكن وصفها بالعَلمانية الصلبة المنفصلة عن الدين بقدر ما هي تجربة دولة وطنية جعلت من تدبير الشأن الديني شأنًا مركزيًا للسلطة السياسية، منذ عهد الحبيب بورقيبة، معتمدةً على اجتهادات فقهية داخل التراث ذاته في صياغة قوانين مثل مجلة الأحوال الشخصية، دون تبنٍّ صريح لقانون مدني خارجي على الطريقة الكمالية في تركيا. وبذلك تظل الدولة، حتى وهي تدفع باتجاه تحديث اجتماعي وقانوني، ممسكة بمقاليد إنتاج التصور الرسمي للدين وتنظيم المساجد وتكوين الأئمة، أي أنها لا تغادر منطق “الدولة التي تدير الدين” وإن رفعت خطابًا حداثيًا قويًا.
إلى جانب مسار الدولة، أُحيل إلى تأثير التحولات الاجتماعية والثقافية التي عرفتها مجتمعات المغرب العربي منذ السبعينيات، من انتقال فئات واسعة من البداوة إلى الحواضر، وصعود جيل مدرَس وجامعي حلّ محل سلطة الشيوخ والوجهاء التقليديين، وتراجع الإسلام الموروث العفوي أمام إسلام مكتسب عبر القراءة والتنظيم. في هذا السياق برزت الحركات الإسلامية المنظمة، وفي مقدمتها الإخوان، بما لديها من تصور استراتيجي يقوم على “تغيير المجتمع لتغيير الدولة”، ومن بنيات دعوية وجمعوية مدنية حديثة. كما أشار الحوار إلى دور بعض الأنظمة العربية، في المغرب العربي والمشرق، في توظيف الدين لمواجهة اليسار خلال السبعينيات والثمانينيات، سواء عبر إدماجه بقوة في المناهج التعليمية أو عبر غض الطرف عن توسع التيارات الإسلامية على حساب التيارات اليسارية المتراجعة، قبل أن تنقلب هذه الورقة إلى تهديد أمني مباشر.
بين المشرق والمغرب، شدّد النقاش على أن موجات التطرف والحركات “الجهادية” كانت، في منشئها التنظيمي والفكري، مشرقية إلى حد كبير؛ ابتداءً من الإخوان في مصر، مرورًا بالوهابية والصحوة السعودية، وصولًا إلى الثورة الإيرانية، غير أن الأرضية المغاربية كانت قابلة للاختراق منذ السبعينيات، بفعل هشاشة البنى الاجتماعية والسياسية، وبفعل التفاعلات الجيوسياسية للحرب الباردة وحرب أفغانستان، حيث شاركت دول عديدة في تسهيل تصدير المقاتلين والمتطوعين، قبل أن تنعكس هذه الديناميات في شكل عنف داخلي مدمّر كما حدث في الجزائر خلال “العشرية السوداء”. وفي هذا الإطار لا تبدو مشاركة آلاف المغاربة والتونسيين في تنظيمات مثل القاعدة ثم “داعش” أمرًا مفاجئًا بالكامل في قراءة الطوزي، بقدر ما هي نتيجة لتراكم ثلاثة عناصر: مخيلة دينية تستعيد حلم الخلافة كوحدة جامعة تتجاوز الحدود الوطنية، وبنية فكرية سلفية تقوم على منطق ثنائي صارم لا يعترف بالمنازل الوسطى، وقابلية جيل من خريجي التخصصات العلمية الصرفة للانجذاب إلى أنساق مغلقة تقدم أجوبة حاسمة في عالم ملتبس.
تتبدى من مجمل الطرح فكرة أن دول المغرب العربي تحولت، عبر مسار طويل من الانتقال من الإمبراطورية إلى الدولة الوطنية، ومن تعددية دينية وحقوقية نسبية إلى مركزية الدولة في تدبير الدين، إلى فضاءات تتعايش فيها ثلاثة مستويات متوترة: دين اجتماعي يومي عفوي، ودين دولة مؤسسي تصوغه السلطة وتحتكره، ودين حركي عابر للحدود يسعى إلى إعادة بناء المرجعية السياسية على أساس طوبى الخلافة. هذا التوتر هو الذي يجعل المنطقة، في نظر الطوزي، مختبرًا دالًا لفهم كيف يُعاد إنتاج التقليد في سياق الدولة الحديثة، وكيف تتنازع مرجعيات السيادة بين النص والملك والدولة الوطنية وتيارات الإسلام السياسي، دون حسم نهائي لصالح أي منها.


