البوذية والعنف الكامن خلف الصورة المسالمة

أضيف بتاريخ 02/28/2026
دار سُبْحة

يقدّم مقال منشور على موقع Actualitté عن كتاب جديد للصحفية سونيا فالييرو قراءة صادمة لصورة البوذية المتداولة في الوعي العالمي، من خلال تتبع مظاهر العنف الممارَس باسم هذه الديانة في جنوب وجنوب شرق آسيا، مع التركيز على سريلانكا وميانمار، وما يرتبط بهما من ممارسات سياسية ودينية تجاه الأقليات الدينية والإثنية المختلفة . يستعيد المقال مثال الهجوم الواسع الذي شنّته قوات الدولة السريلانكية المحسوبة على البوذية عام 2009، حين قُتل عشرات الآلاف من التاميل الهندوس خلال بضعة أشهر في سياق الحرب الأهلية، في تذكير بأن العنف المنظم لم يكن حكراً على أنظمة أيديولوجية أو دينية بعينها، بل يمكن أن يصدر أيضاً عن منظومات يُنظر إليها تقليدياً بوصفها حاملة لقيم التسامح واللاعنف . كما يتناول وضع الروهينغا المسلمين في ميانمار، حيث لعب بعض الرهبان البوذيين دوراً تحريضياً من خلال الدعوة إلى قتل هؤلاء أو طردهم، بينما يعيش نحو مليون من الناجين في مخيمات لجوء مزدحمة في تايلاند، في تناقض صارخ مع الصورة النمطية للراهب الزاهد المنصرف عن العالم . 



الكتاب الذي يتناوله المقال يقدّم مشاهد ميدانية من حياة الرهبان البوذيين وأنماط سلوكهم اليومية، إذ تنقل سونيا فالييرو وصفاً للرهبان البورميين الذين يسيرون نهاراً في الشوارع وهم يهتفون ضد الروهينغا، ثم يُرى بعضهم ليلاً في الحانات وأماكن الترفيه، يدخنون وينشغلون بهواتفهم الذكية، في صورة تجمع بين المظهر الديني والاندماج الكامل في الثقافة الاستهلاكية الحضرية . هذا التداخل بين الخطاب الديني المتشدد والممارسة اليومية العادية يسلّط الضوء على كيفية استخدام الرموز الدينية في سياقات قومية وعنصرية، حيث يتحول الزي الديني إلى غطاء رمزي لعنف سياسي يستهدف فئات بعينها. ومن خلال هذا التصوير، يسعى الكتاب إلى تفكيك الفكرة الرومانسية التي طالما أحاطت بالبوذية في المخيال الغربي، والتي غالباً ما تُقدَّم فيها بوصفها ديانة للتأمل والسلام الداخلي بعيداً عن الصراع التاريخي والسلطة.

في الجزء التحليلي من المقال، يستعين الكاتب أوليفييه بوستيل-فيناَي بما كتبه الناقد الهندي كابيل كوميريدي في مراجعة الكتاب بمجلة Literary Review، حيث يستحضر هذا الأخير صورة الشاعر الهندي هريفانش راي باتشان لوصف التناقضات البنيوية داخل البوذية . يبرز هذا التحليل مفارقة تأسيس ديانة كبرى على سيرة متصوف أو متسول جوال كان ناقداً جذرياً للمؤسسة الدينية، ثم تحوّل تعاليمه لاحقاً إلى منظومة مؤسسية غنية بالطقوس والرموز والسلطة . فبينما سعى سيدهارتا غوتاما إلى تحرير الناس من سطوة الطقوس والوثنية، أعاد أتباعه بناء منظومة طقسية معقدة وجعلوا منه نفسه موضوعاً للعبادة، بل حولوا صورته إلى أيقونة مادية تُنتَج في كل المواد الممكنة وتُسوَّق كبضاعة جنباً إلى جنب مع منتجات أخرى تحمل رموز القوة أو الفخامة . 

يشير المقال إلى أن غوتاما، الذي رفض فكرة الآلهة وكرّس تعاليمه لفهم المعاناة الإنسانية وطرق الخلاص منها بعيداً عن العبادة المعاملاتية، انتهى به الأمر في المخيال الديني الشعبي إلى مرتبة الإله الذي تُوجَّه إليه الصلوات والنذور، في نموذج كلاسيكي لتحويل شخصية إصلاحية إلى محور لعبادة جديدة . هذا التحول من رسالة روحية بسيطة تركز على الفهم الشخصي والمعاناة إلى منظومة تعبدية كاملة بآلياتها ووساطاتها وبيروقراطيتها الدينية يعكس، كما يوضح التحليل، ديناميكية مألوفة في تاريخ الأديان، حيث تتمأسس حركات التمرّد الروحي وتندمج في بنى السلطة والنفوذ . وتبرز هنا أيضاً مفارقة الصورة الجسدية: فبينما تصوّر المصادر التقليدية غوتاما كشخص نحيل أصلع يعيش حياة زهد، صارت تماثيله تُنحَت على هيئة جسد ممتلئ وملامح ناعمة وشَعر مصفف بعناية، في استثمار جمالي وتجاري متزايد لصورة بوذا . 

من خلال هذا المسار التاريخي والفكري، يذكّر النص بأن العنف المرتبط بالمؤسسات البوذية ليس ظاهرة معاصرة بالكامل، بل له جذور ممتدة منذ العصور القديمة، على الرغم من أن البوذية تُعرّف نفسها من خلال مفهوم "الأهيمسا" أو اللاعنف . هذا التعارض بين المبدأ المعلن والممارسة التاريخية يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول العلاقة بين التعاليم الدينية الأولى والتجسيد السياسي والاجتماعي لها عبر الزمن، وكيف يمكن لشعارات مثل اللاعنف أن تُستخدم ضمن منظومة تبرير للعنف متى تداخلت مع مشاريع قومية أو سلطوية.

ويقدّم المقال المنشور على Actualitté عبر هذا العرض لكتاب سونيا فالييرو ولتأملات كابيل كوميريدي مثالاً غنيّاً لمادة نقدية يمكن للصحفيين والباحثين في قضايا الأديان والسياسة الاستفادة منها، سواء في فهم التاريخ المعاصر لآسيا أو في تفكيك الصور النمطية المرتبطة بالبوذية في الإعلام والثقافة العالمية .