النفّار.. ساعة المغرب الروحية في رمضان بالمغرب

أضيف بتاريخ 02/28/2026
دار سُبْحة

في مدن المغرب العتيقة، يشكّل النفّار واحداً من أبرز المظاهر الرمضانية التي تجمع بين العبادة والذاكرة الشعبية، إذ يقوم هذا الشخص بإيقاظ الصائمين في أوقات السحور والتنبيه لمواقيت العبادة عبر أنغام نفخه في آلة «النفير» أو عبر الأناشيد والابتهالات الليلية التي تتردّد في الأزقة والأسطح خلال الشهر الفضيل، كما يوضح تقرير منشور في موقع EuropeSays عن «النفّار، ساعة المغرب البشرية في رمضان بالمغرب» المستند إلى شهادات تاريخية ووثائق دبلوماسية قديمة حول هذه العادة.



يرتبط النفّار في المخيال الجماعي المغربي بصورة الحارس الساهر على الأرواح النائمة والقلوب المنشغلة بالعبادة، إذ كان يتسلّق مآذن المساجد أو يجوب الأحياء القديمة ليلاً مردّداً أذكاراً وأناشيد ذات نَفَس روحاني، تتضمّن دعوات للاستيقاظ للسحور واستثمار لحظات ما قبل الفجر في الصلاة والدعاء، وهو ما جعل منه «ساعة بشرية» تضبط إيقاع الزمن الرمضاني قبل انتشار مكبّرات الصوت والوسائل الرقمية الحديثة.

وتشير رواية تعود إلى مطلع القرن العشرين إلى أن عادة النفّار وُثِّقت مبكراً في كتابات مبعوث بريطاني إلى بلاط السلطان المغربي في أواخر القرن التاسع عشر، حيث يذكر أن النفّار كان يشتغل أحياناً إلى جانب شخصية أخرى تُسمّى «الذكّاك»، فيتولّى الأول إطلاق النفير بينما يطرق الثاني الأبواب لإيقاظ أهل البيوت للسحور، في مشهد ليلي يطبع الذاكرة الحضرية لمدن مثل طنجة وفاس والرباط.

تلك الشهادة الدبلوماسية القديمة تصف كيف كان الذكّاك يجوب المدينة على مدى الأيام الستة والعشرين الأولى من رمضان مردّداً نداءً باللغة العربية في صيغة نثر إيقاعي يدعو الناس إلى القيام من نومهم والأكل والشرب استعداداً للصيام، مع التذكير بغضب الله لمن يتهاون في هذه العبادة، ثم يتغيّر نص النداء في الأيام الأخيرة من الشهر ليأخذ طابع الوداع لرمضان بوصفه شهراً للتوبة والمغفرة، وهو ما يعكس الارتباط الوثيق بين وظيفة هذه الشخصيات الشعبية والمعاني الدينية للوقت في المخيال الرمضاني.

ولا يقتصر حضور النفّار على الجانب الوظيفي المرتبط بإدارة الزمن، بل يمتد إلى الثقافة الشعبية والعلاقات الاجتماعية، إذ تذكر المصادر نفسها أن هؤلاء «الأعوان الخاصين برمضان» كانوا، بعد انقضاء الشهر، يطرقون أبواب البيوت طلباً لمقابل مادي أو «إكرامية» نظير خدمتهم في إيقاظ الناس وتنظيم لحظاتهم التعبدية، وهو تقليد يعكس علاقة تبادلية بين المجتمع وهذه المهنة الموسمية التي لا تظهر إلا في شهر واحد من السنة ثم تختفي.

تغلغل النفّار أيضاً في الأمثال المتداولة والقصص الشفوية، حيث يُستعمل أحياناً للدلالة على محدودية المهنة في الزمان أو لربط هوية الشخص بشهر رمضان حصراً، مثل المثل الشعبي الذي يرويه المقال: عندما سُئل رجل عمّا كان يشتغله والده أجاب: «نفّار»، فجاء التعليق: «الحمد لله، رمضان قُضي»، في إشارة ساخرة إلى أن عمل النفّار ينتهي مباشرة بانتهاء الشهر، ما يجعل مهنته رمزاً زمنياً بامتياز، مرتبطاً بموسم واحد لا غير.

رغم التحوّلات التكنولوجية واعتماد مكبّرات الصوت والساعات والمنبّهات وتطبيقات الهواتف الذكية، ما زال النفّار حاضراً في بعض الأحياء العتيقة بوصفه عنصراً من عناصر الفولكلور الحضري وذاكرة المدن المغربية، يجمع بين البعد الديني والبعد الجمالي من خلال الإيقاع الموسيقي للنفير والأناشيد التي تُنعش ليالي رمضان، وهو ما يجعل الحديث عنه اليوم أقرب إلى توثيق حيّ لطقس رمضاني مهدّد بالتلاشي لصالح وسائل الإيقاظ الحديثة.