إقرار قضائي يرسخ حدود تجريم حرق المصحف في بريطانيا

أضيف بتاريخ 03/02/2026
دار سُبْحة

كرّست المحكمة العليا في إنجلترا ووويلز حكم البراءة الصادر لصالح حميد جوشكون، الرجل الذي أحرق نسخة من المصحف أمام القنصلية التركية في لندن، منهيةً بذلك مسارًا قضائيًا معقدًا أثار نقاشًا واسعًا حول حدود حرية التعبير وتجريم الإساءات الدينية في القانون البريطاني. تعود وقائع القضية إلى فبراير وعندما وقف جوشكون، البالغ من العمر واحدًا وخمسين عامًا، أمام البعثة الدبلوماسية التركية في العاصمة البريطانية وأضرم النار في نسخة من القرآن مع ترديد عبارات مهينة للإسلام، في فعل تم تصويره ونشره على منصات التواصل، ما دفع الشرطة إلى توقيفه وتوجيه اتهامات له بموجب تشريعات النظام العام ذات الطابع الديني المشدد.



في يونيو من العام نفسه، أدانته محكمة الصلح بتهمة تتعلق بـ«سلوك مخل بالنظام العام» مشدد بعامل ديني، معتبرة أن ما قام به من شأنه التسبب في مضايقة أو خوف أو ضيق لمن كان حاضرًا أو مطلعًا على الواقعة، وفرضت عليه غرامة مالية إلى جانب عقوبات أخرى غير سالبة للحرية. غير أن جوشكون استأنف الحكم أمام محكمة التاج، مستندًا إلى حجج قانونية تتصل بطبيعة الفعل بوصفه تعبيرًا – مهما كان صادمًا ومسيئًا – يظل محميًا ضمن نطاق حرية التعبير، وإلى تقييم مختلف لرد الفعل المحتمل على الواقعة من حيث مدى تحقق عناصر الجريمة المنصوص عليها في قانون النظام العام لعام 1986.

في أكتوبر التالي، ألغت محكمة التاج الإدانة بعد مراجعة الأدلة والملابسات، وخلصت إلى أن سلوك جوشكون لا يستوفي معيار «السلوك المخل بالنظام العام» في معناها القانوني الضيق، وأن احتمال تسبب ما فعله في مضايقة أو قلق أو ضيق على نحو يبرر الإدانة لم يثبت بالقدر الكافي، رغم ما ينطوي عليه الفعل من إساءة دينية واضحة. هذا القرار فتح الباب أمام مرحلة جديدة حين قرر جهاز الادعاء العام في إنجلترا وويلز، المعروف باسم «خدمة الادعاء الملكية»، اللجوء إلى أعلى درجة قضائية لطلب مراجعة قانونية لأسس هذا الإلغاء.

الادعاء جادل أمام المحكمة العليا بأن محكمة التاج أخطأت في تطبيق اختبار «الإزعاج أو الخوف أو الضيق»، معتبرًا أن إحراق نص ديني مركزي أمام بعثة رسمية لدولة ذات غالبية مسلمة، مع تلفظ عبارات احتقار لدين بعينه، لا يمكن إلا أن يُعد بطبيعته سلوكًا مثيرًا للاضطراب وقادرًا على إلحاق أذى معنوي حقيقي بمن قد يراه أو يسمعه. كما حاول فريق الادعاء إقناع القضاة بأن تجاهل الأثر المحتمل لهذا النوع من الأفعال في سياق التوترات المجتمعية حول قضايا الهوية والدين يبعث برسالة خاطئة ويحد من قدرة الدولة على التدخل لحماية الفئات المستهدفة بالعداء الديني.

إلا أن قاضيي المحكمة العليا، اللورد وووربي والسيدة أوي، توصلا في حكمهما المكتوب إلى أن محكمة التاج مارست سلطتها التقديرية في تقييم الوقائع ضمن الحدود القانونية المشروعة، وأن استنتاجها بغياب «سلوك مخِل بالنظام العام» بمعناه المحدد في التشريع ليس استنتاجًا غير معقول أو معيبًا بما يبرر تدخل المحكمة العليا. وأشار الحكم إلى أن دور المحكمة في هذا السياق لا يتمثل في إعادة تقييم كل عنصر من عناصر الواقعة من الصفر، بل في التحقق مما إذا كان القاضي الذي نظر الاستئناف قد انحرف عن التطبيق الصحيح للقانون أو استند إلى منطق لا يمكن الدفاع عنه، وهو ما لم يتبين في هذه القضية وفق نص القرار القضائي.

هذا الحسم القضائي أعاد تسليط الضوء على نقطة أساسية في النظام القانوني البريطاني، وهي غياب أي تجريم مباشر للتجديف بعد إلغاء جرائم التجديف من القانون العام عام 2008,، مقابل الاعتماد على تشريعات أوسع مثل قانون النظام العام وقوانين خطاب الكراهية لملاحقة الأفعال التي تستهدف مجموعات دينية. في هذا السياق، برزت مخاوف لدى منظمات حقوقية ومدافعين عن حرية التعبير من أن يؤدي التوسع في تفسير مواد النظام العام إلى إعادة إنتاج شكل غير مباشر من «قوانين التجديف» تحت مسميات مختلفة، ما يهدد مساحة التعبير الصادم أو المسيء التي طالما اعتُبرت جزءًا من النقاش العام في الديمقراطيات الليبرالية.

منظمات مثل «Free Speech Union» و«Humanists UK» و«National Secular Society» البراءة في المحكمة العليا يشكل إشارة قوية إلى أن السلطة القضائية تقاوم هذه النزعة نحو تجريم الإساءات الدينية لمجرد أنها تثير غضبًا أو صدمة. هذه الجهات ترى أن معيار التجريم ينبغي أن يظل مرتبطًا بخطر فعلي على النظام العام أو تحريض واضح على العنف أو الكراهية، لا بمجرد الإساءة الرمزية إلى رموز دينية مهما كانت مكانتها لدى المؤمنين بها. في المقابل، تشعر قطاعات من الجالية المسلمة في بريطانيا بالقلق من أن يؤدي هذا الاتجاه القضائي إلى تشجيع مزيد من الأفعال الاستفزازية التي تستهدف الإسلام ومقدساته تحت غطاء حرية التعبير، في سياق من تصاعد الإسلاموفوبيا وخطاب الكراهية.

القضية أبرزت كذلك التوتر بين منطق «رد الفعل المتوقع» ومنطق «المسؤولية الفردية»، إذ حذر المدافعون عن حرية التعبير من أن جعل قابلية الفعل لإثارة غضب عنيف سببًا لتجريمه عمليًا يعني منح «حق الفيتو» للفئات الأكثر استعدادًا للجوء إلى العنف، وهو ما يتعارض مع مبدأ سيادة القانون. في المقابل، يشير منتقدو هذا الطرح إلى أن تجاهل السياقات الاجتماعية والسياسية التي قد تجعل فعلًا رمزيًا معينًا شرارة لأحداث عنف أو توتر مجتمعي يضع عبئًا غير متوازن على عاتق الأقليات المستهدفة تاريخيًا بالتمييز. هذه الجدلية لا تقتصر على المملكة المتحدة، بل تمتد إلى بلدان أوروبية أخرى شهدت بدورها نقاشات محتدمة حول حرق المصحف والعلاقة بين احترام المعتقدات الدينية وحرية التعبير.

من منظور قانوني، يقدم حكم المحكمة العليا في قضية حميد جوشكون مثالًا واضحًا على كيفية تمسك القضاء البريطاني بخط فاصل بين تجريم التحريض الواضح على الكراهية أو العنف وبين التسامح – القانوني على الأقل – مع أشكال التعبير التي تُعد صادمة أو مهينة دينيًا دون أن ترقى إلى تهديد مباشر للنظام العام. هذا الحكم لا يجعل من حرق المصحف أو غيره من النصوص الدينية سلوكًا مقبولًا اجتماعيًا أو أخلاقيًا، لكنه يؤكد أن معالجة هذه الأفعال في مجتمع ديمقراطي تعددي ينبغي أن تعتمد في المقام الأول على الردود المجتمعية والسياسية والثقافية، لا على توسيع نطاق القانون الجنائي بما قد يقوّض حرية التعبير ويُنشئ، بصورة غير مباشرة، نظامًا عقابيًا للتجديف تحت مسميات أخرى.