رحيل علي خامنئي بين تآكل الشرعية الدينية ومصير الثيوقراطية

أضيف بتاريخ 03/02/2026
دار سُبْحة

أُشير في الأوساط البحثية إلى أنّ اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في الضربات الإسرائيلية‑الأميركية على طهران لا يفتح فقط فراغاً سياسياً على رأس الدولة، بل يطرح أسئلة دقيقة حول مستقبل المرجعية الدينية للنظام داخل إيران وفي الفضاء الشيعي الأوسع. فقد تزامنت صور محتفلين في شوارع العاصمة بانتهاء الضربات مع مشاهد أنصارٍ يشيّعون القائد الأعلى، في مشهد مزدوج يُبرز انقسام المجتمع أكثر مما يعكس إجماعاً حول رمزيته الدينية.



يُذكّر بعض الباحثين بأنّ تراث التشيع الإثني عشري يقوم على مركزية الشهادة في المخيال الجمعي، بدءاً من مقتل الإمام الحسين في كربلاء عام 680, وما تكرّس حوله من أدبيات تجعل من الشهيد نموذجاً تأسيسياً في الربط بين المظلومية والسياسة. في هذا السياق، طُرح سؤال عمّا إذا كان مقتل خامنئي على يد «أعداء خارجيين» سيتيح إدخاله في سجل الشهداء، بما يسمح للنظام بإعادة توظيف شخصه رمزياً في معركة الشرعية. غير أنّ أصواتاً متخصّصة أشارت إلى أن قدرة السلطة على بناء «أسطورة شهادة» حوله تصطدم بواقع داخلي مختلف، تَعدّ فيه شرائح واسعة من ضحايا القمع في يناير الماضي – الذين قُدّروا بعشرات الآلاف – شهداء من نوع آخر، ما يقلّص قابلية قبول رواية رسمية ترفعه فوقهم في سُلّم التضحيات.

كما جرى التذكير بأنّ خامنئي لم يكن، في بداياته على الأقل، مرجع تقليد راسخاً في الحوزة، بخلاف آية الله الخميني أو المرجع العراقي علي السيستاني، وأن مكانته الفقهية تشكّلت أساساً من خلال موقعه السياسي كقائد للنظام أكثر من تراكُمِ إنتاجٍ علمي كلاسيكي داخل الحوزات. فالترقية إلى مرتبة «مرجع تقليد» جاءت لاحقاً في مسار تثبيت السلطة، ما جعل صورته، في نظر جزء من النخب الدينية، أقرب إلى رجل دولة يوظّف خطاباً دينياً منه إلى فقيه يُحتكم إلى آرائه الشرعية في تفاصيل الممارسة الدينية اليومية. وقد أفضى ذلك إلى تباينات معلنة ومستترة داخل الجسم الديني الشيعي، حيث لم يكن يُنظر إليه، في قم والنجف على السواء، بوصفه المرجع الأوحد في الفقه، بل باعتباره رأس منظومة ثيوقراطية ترتكز على ولاية الفقيه.

في موازاة ذلك، سُجّل اتساع مساحات التديّن الفردي والمتمايز عن مؤسسات الدولة، بحيث بات جزء من الإيرانيين يجمع بين التزام الشعائري وانتقاد النظام، أو يختار أنماطاً شخصية من الممارسة الدينية لا تمرّ عبر قنوات السلطة أو خطابها الرسمي. هذا المسار ترافق مع تصاعد نزعات التسيّب من المرجعية السياسية‑الدينية وازدياد مظاهر العلمنة الاجتماعية، بما في ذلك انتشار نزعة لا دينية وازدياد الحساسية تجاه طبقة رجال الدين، وهو ما انعكس في شعارات الحركات الاحتجاجية الأخيرة. في ضوء ذلك، رجّحت تحليلات أن يتعامل قسم واسع من الإيرانيين مع غياب خامنئي كرحيل شخصية سياسية أكثر منه فقدان مرجع ديني، ما يحدّ من أثر الحداد الرسمي في إعادة تعبئة القاعدة الشعبية على أساس ديني صرف.

مع ذلك، لم يتردّد مسؤولو الجمهورية الإسلامية في صوغ خطاب ثأري عابر للحدود، إذ قُدّمت الضربة التي أودت بالمرشد بوصفها «إعلان حرب على المسلمين ولا سيما الشيعة في كل مكان»، في محاولة لتفعيل شبكات النفوذ الموالية لطهران في العراق واليمن ولبنان وكشمير وباكستان. هذا الأسلوب الاتصالي يعكس رغبة في تحويل حدث الاغتيال إلى منصة لتجديد سردية «المواجهة الوجودية» مع إسرائيل والولايات المتحدة، إلا أنّ مراقبين أشاروا إلى مفارقة تتمثّل في أنّ النظام يستنفر خطاب التضامن مع الشيعة خارج الحدود فيما لا يتردد في استخدام القوة داخل المجال الإسلامي ذاته، بما في ذلك في بلدان مجاورة. وتُظهر التجمّعات المتباينة في مدن عدّة من المنطقة – بين حشود حداد وأخرى احتفال – أنّ صورة خامنئي في الوعي الشيعي العالمي ليست موحّدة، وأن رمزيته الدينية خارج إيران تبقى وثيقة الارتباط بسياساته الإقليمية.

على المستوى المؤسسي، نصّ الدستور الإيراني، عبر تفعيل مادته المتعلقة بشغور منصب القائد، على تشكيل مجلس قيادي مؤقت يتكوّن من الرئيس مسعود بزشكیان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي، والآية الله علي رضا عرفي، وهو عالم دين بارز وعضو في مجلس الخبراء ومجلس صيانة الدستور، ينتمي إلى حوزة قم. هذه الصيغة الثلاثية أُنشئت على عجل لتأمين استمرارية النظام إلى حين تعيين مرشد جديد، وتُقرأ في الوقت نفسه كإشارة إلى تمسّك النواة الصلبة في السلطة ببنية «الجمهورية الإسلامية» القائمة على تداخل المؤسستين السياسية والدينية، لا كتمهيدٍ للتخلّي عن الثيوقراطية. غير أنّ محللين لفتوا إلى أنّ قدرة هذا الترتيب الانتقالي على حماية المنظومة رهنٌ بعوامل عدّة، من بينها اتساع رقعة الاحتجاجات الداخلية، وتوازن القوى داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية، واتجاهات الحوزة في قم والنجف حيال موقع ولاية الفقيه في المستقبل.

في المحصلة، بدا أنّ الغياب المفاجئ لخامنئي لا يُنتظر أن يفضي تلقائياً إلى تفكيك النموذج الديني‑السياسي الذي أرساه الخميني، لكنه يُضعف ركيزة شخصانية لعبت دور الضامن الأعلى لتماسك ذلك النموذج خلال عقود. فالمجتمع الإيراني بات أكثر تنوّعاً في تمثلاته للدين، كما أنّ الحقل الشيعي نفسه يشهد تنافساً بين مرجعيات متباينة حول حدود تدخّل الفقيه في الحكم، ما يجعل أي محاولة لتكريس صورة «شهيد-مرشد» جديد رهينة تفاعلات اجتماعية وإقليمية يصعب ضبطها من مركز السلطة وحده..