تقدَّم مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة نفسها بوصفها إطاراً مؤسساتياً يربط بين علماء المغرب ونظرائهم في مختلف الدول الإفريقية، قصد تنسيق الجهود في صون التصور الوسطي للإسلام وترسيخ قيمه في خدمة الاستقرار والتنمية بالقارة. وقد صدر الظهير المؤسس للمؤسسة سنة 2015 بمبادرة من الملك محمد السادس، أمير المؤمنين، ليجعل منها أداة رسمية لتثبيت الأواصر الروحية التاريخية التي تجمع المغرب بعدد من المجتمعات الإفريقية جنوب الصحراء. وتم نقل مقر المؤسسة إلى مدينة فاس، بما يحمله ذلك من دلالات رمزية متصلة بتاريخ المدينة العلمي ووزنها في الذاكرة الدينية المغربية والإفريقية.
ينص الظهير المنظم للمؤسسة على إمكانية إحداث فروع لها في البلدان الإفريقية، شريطة احترام القوانين الوطنية في كل بلد، ما يجعل كل فرع واجهة محلية لمشروع ديني‑ثقافي مشترك أكثر منه امتداداً إدارياً مباشراً فحسب. وتوضح الوثائق الرسمية أن هذه الفروع لا تُنشأ خارج السياق القانوني والسيادي للدول المضيفة، بل تُصاغ تركيبتها في ضوء أوضاعها الداخلية، مع الحرص على إشراك هيئات وعائلات دينية مؤثرة في كل بلد. وقد بلغ عدد الفروع أكثر من ثلاثين فرعاً في مرحلة أولى، ثم وقع الحديث لاحقاً عن 48 فرعاً يمثلون شبكة واسعة تغطي قسماً مهماً من خريطة إفريقيا جنوب الصحراء.
يبرز من خلال الأنشطة المعلنة أن كل فرع يتخذ شكل فضاء مؤسسي يضم إدارة محلية، وقاعات للاجتماعات والتكوين، ومكاتب مخصصة للأعضاء وممثلي الأسر الدينية، بما يسمح ببرمجة لقاءات علمية ودورات تكوينية وفعاليات اجتماعية. وتبيّن تقارير افتتاح بعض الفروع، مثل فرع دكار في السنغال، أن المؤسسة تحرص على أن تكون مقراتها مفتوحة أمام مختلف العائلات والزوايا، وأن تُدار في إطار شراكة مع الفاعلين الدينيين المحليين، في محاولة لتجاوز منطق التمثيل الضيق أو الاحتكار. كما تُظهر المتابعات الإعلامية أن الأمناء العامين للمؤسسة يقدمون افتتاح الفروع بوصفه خطوة في مسار تفعيل الأهداف الكبرى: نشر قيم الوسطية، تعزيز الروابط الدينية والتاريخية، وبناء منصات للتعاون العلمي بين العلماء.
على مستوى البنية المركزية، تنتظم المؤسسة حول مجلس أعلى يضم جميع الأعضاء إضافة إلى الرئيس المنتدب، ويتولى هذا المجلس وضع التوجهات العامة، والمصادقة على البرامج السنوية والميزانية والتقارير المالية والعلمية. وترافق المجلس أجهزة تنفيذية متخصّصة، من بينها مكتب تنفيذي ورئاسة منتدبة، فضلاً عن لجان دائمة للأنشطة العلمية والثقافية، والدراسات الشرعية، وإحياء التراث الإسلامي الإفريقي، والتواصل والشراكات، مما يوفّر إطاراً تنظيمياً لتوزيع الأدوار بين المركز والفروع. عملية، من قبيل توحيد المرجعيات في مجال الخطاب الديني، وتبادل الخبرات في مواجهة خطاب التطرف، وتأهيل الأئمة والوعاظ عبر القنوات الوطنية لكل بلد.
تُظهر التقارير والتحليلات أن المؤسسة تُقرأ، في الأوساط البحثية، كأحد أبرز الأدوات التي يعتمدها المغرب في ترسيخ حضوره الديني والرمزي في إفريقيا، بما ينسجم مع تصوره لدوره التاريخي «كمرجع» روحي لعدد من المجتمعات المرتبطة بالمذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني. وتُربط هذه الدينامية بتوجه عام في السياسة المغربية يرمي إلى مأسسة العلاقات الروحية القديمة داخل إطار قانوني حديث يزاوج بين البعد الديني والبعد الدبلوماسي. وعلى هذا الأساس، يبدو أن فروع مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة لا تقتصر على لعب دور تنسيقي بين العلماء، بل تتحول تدريجياً إلى منصات محلية لإعادة صياغة الحضور الديني المغربي في القارة، عبر برامج علمية وتكوينية وإعلامية تستثمر الرصيد التاريخي وتضعه في خدمة رهانات السلم والتنمية.


