يقدّم تقرير حديث للأمم المتحدة حول تنظيمي «داعش» و«القاعدة» صورة عن تهديد جهادي عالمي آخذ في الانتشار جغرافياً، أقل تمركزاً من السابق وأكثر تعقيداً في الرصد، مع تركيز خاص على تصاعد الخطر في إفريقيا وأفغانستان واستمرار استهداف أوروبا والولايات المتحدة عبر عمليات بسيطة التنفيذ ينفّذها في الأغلب أفراد متأثرون بالدعاية المتطرفة أو ذوو صلات محدودة بالتنظيمات المركزية. ويستشهد التقرير بسلسلة هجمات نُسبت إلى متطرفين إسلاميين في فرنسا بين 2025 وبداية 2026 في مدن مثل آبت ومولوز وليون وباريس، فضلاً عن هجوم على كنيس في مانشستر ومشاريع اعتداءات أحبطتها السلطات في بريطانيا وأميركا الشمالية.
ويلفت التقرير إلى تركيز التنظيمات الجهادية على تجنيد فئات شابة جداً، بما في ذلك قاصرون في منتصف وأواخر سن المراهقة، من خلال استهلاك كثيف لمحتويات عنيفة على الإنترنت، مع الإشارة إلى أمثلة من النمسا وكندا وفرنسا حيث تورّط مراهقون في التخطيط لهجمات أو خضعوا لإجراءات قضائية بتهم إرهابية. ويرى معدّو الوثيقة أن هذه الشريحة العمرية، رغم محدودية خبرتها، تمثّل «استثماراً مستقبلياً» للحركات المتطرفة التي تبحث عن أجيال جديدة من الأنصار القادرين على حمل المشروع الأيديولوجي على المدى البعيد.
أحد المحاور البارزة في التقرير يتعلّق باستخدام شبكات تهريب المهاجرين وغيرهم من البشر كقناة لاختراق أوروبا، إذ تلاحظ الأمم المتحدة أن مجموعات مرتبطة بـ«داعش» تستغل هذه الشبكات لتمرير عناصرها، في وقت تحضّ فيه نشرة التنظيم الأسبوعية «النبأ» خلايا في ليبيا على إعادة تنشيط نشاطها وتحويل البلاد إلى بوابة لشن هجمات داخل القارة. وتواكب هذه الدعوات رسائل موجهة للاجئين المقيمين في أوروبا تحضّهم على مهاجمة «اليهود والمسيحيين» في البلدان المضيفة، ما يزيد مخاوف الأجهزة الأمنية من تلاقٍ بين مسارات الهجرة غير النظامية والدوافع الجهادية.
على مستوى الخريطة الجهادية الأوسع، يصف التقرير المشهد بأنه «متعدد الأقطاب»، حيث لا يعود لأي بلد أو منطقة احتكار مركز الثقل، بينما يواصل «المقاتلون الإرهابيون الأجانب» التدفق إلى أكثر من ساحة قتال واحدة. ففي معسكر «القاعدة»، يحافظ التنظيم على تماسك قيادته العليا رغم العزلة، مع تسجيل تململ حيال الزعيم الفعلي سيف العدل الذي دعا عام 2024 أنصاره إلى التوجه لأفغانستان ومهاجمة «الغرب الصهيوني»، بينما تعزز فروع مثل «القاعدة في شبه الجزيرة العربية» حضورها الأيديولوجي والعملياتي داخل الشبكة العالمية مستفيدة من تحالفات مع حركة «الشباب» في الصومال.
في منطقة الساحل، يرصد التقرير تمدد جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» المرتبطة بالقاعدة، والتي نجحت خلال 2025 في توسيع نفوذها وقطع إمدادات الوقود حول باماكو، مع اعتماد كبير على خطف الرهائن مقابل الفدية كمورد مالي، إذ يُشار إلى مبلغ يقارب خمسين مليون دولار قيل إنه دُفع لتحرير رهينة من دولة خليجية، ما يعزّز قدرة الجماعة على توسيع حضورها ويفاقم مخاوف تشكيل كيان جهادي ذي قاعدة إقليمية ثابتة.
أما «داعش»، فيُسجَّل استمرار نشاط خلاياه في سوريا ومحاولته تأجيج الانقسامات المذهبية لإضعاف السلطة القائمة، في موازاة توسيع نفوذ فروعه الإفريقية، خصوصاً في الساحل وغرب القارة، مع وجود تداخل بين «ولاية الساحل» و«ولاية غرب إفريقيا» وانخراط قيادات إفريقية في التسلسل القيادي العالمي للتنظيم. وفي الصومال، يرد أن عبد القادر مومين، الذي تعتبره بعض الدول رأس «داعش» في البلاد، بات معزولاً بفعل الضغط الأمني، بينما يواصل التنظيم استغلال ساحات أخرى مثل موزمبيق في عملياته ودعايته.
ويتطرق التقرير أيضاً إلى المشهد الأفغاني حيث يتعرض «داعش – ولاية خراسان» لضغط متواصل من طالبان والقوات الباكستانية، لكن مع احتفاظه بقدرة عملياتية ونية واضحة لتنفيذ هجمات خارجية، في وقت تتهم فيه الأمم المتحدة سلطات كابول باستمرار في إيواء مجموعات جهادية عدة، بينها فصائل تابعة للقاعدة تدعم حركة «طالبان باكستان» عسكرياً ولوجستياً. وتخلص إحدى الوثائق الأممية إلى أن ادعاءات الحكومة الأفغانية بعدم وجود نشاط إرهابي منطلق من أراضيها «تفتقر إلى المصداقية»، في ضوء حجم الحضور الجهادي المسجل هناك.
أخيراً، يسلط التقرير الضوء على تنامي حضور الجهاديين في الفضاء الرقمي، مع سعي «داعش» و«القاعدة» إلى تعزيز قدراتهم السيبرانية، والاستقطاب ». ويُسجَّل أيضاً لجوء متزايد إلى أنظمة الاتصالات عبر الأقمار الصناعية والتقنيات التجارية منخفضة الكلفة لضمان الاتصال في المناطق النائية، إضافة إلى استغلال أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى دعائي أكثر جاذبية وصعوبة في التتبع، ما يساهم في استقطاب شرائح شابة جديدة ويجعل من الفضاء الرقمي مسرحاً مركزياً في تكيّف الحركات الجهادية مع التحولات التكنولوجية الراهنة.


