في إحدى أمسيات رمضان في القاهرة، استرعى عرض فني لافت الانتباه حين اعتلت الفنانة المصرية أفنان شاهر خشبة مسرح وهي ترتدي ثوبًا أحمر طويلًا وتدور بلا انقطاع على إيقاعات موسيقى فولكلورية. في أداء جمع بين البعد الجمالي والبعد الروحي احتفاءً بأجواء الشهر كما وصفه تقرير. استمر دوران شاهر ما يقرب من ساعتين متواصلتين، مقدّمة رؤيتها الخاصة لطقس المولوية المعروف في التقاليد الصوفية، في وقت يظل فيه هذا الفن في الوعي العام مرتبطًا أساسًا بالرجال وأهل الطرق التقليدية.
ينهل أداء أفنان شاهر من تراث الدراويش الدوّارين المرتبطين بالطريقة المولوية التي تعود جذورها إلى فضاءات التصوف في الأناضول. غير أنها تعمل في الوقت نفسه على إعادة تأويل هذا الإرث بما ينسجم مع تجربتها الشخصية ومسيرتها الفنية المعاصرة كما يوضح التقرير . ويشير المقال إلى أنّ المولوية تحوّلت في مصر والعالم العربي إلى أحد أبرز العروض الثقافية المرتبطة بالمواسم الدينية، خصوصًا في رمضان، حيث يختلط فيها البعد الطقوسي بالفرجة الجماهيرية. ما جعل من عرض شاهر جزءًا من مشهد احتفالي في العاصمة المصرية.
ورغم هذا الحضور المتزايد للمولوية في الفضاء العام، يظل المجال في معظمه حكرًا على الرجال. لذلك، فإن دخول امرأة إلى هذا النوع من الأداء الصوفي يعد خروجًا عن المعتاد، ترسّخ عبر عقود طويلة كما تشير المادة المنشورة في موقع . شاهر توضح أنها تواجه انتقادات متكررة بسبب اتخاذها مكانًا اعتيد أن يشغله رجال الطرق الصوفية أو الفرق الفنية الرجالية. غير أنها تبدو حريصة على عدم الانصياع لتلك التوقعات الاجتماعية، وتقدّم خيارها الفني بوصفه اجتهادًا فرديًا في مساحة مفتوحة للتجربة.
يستعيد التقرير البعد الرمزي للرقص الدائري عند الدراويش بوصفه ممارسة تتجاوز حدود العرض المسرحي إلى كونها طقسًا يجسّد رحلة روحية نحو مزيد من القرب من الله. حيث يتحوّل الدوران المستمر إلى حركة توحي بمسار السالك في طريقه إلى العمق الروحي والتخلّص من ثقل اليومي. كما يربط النص بين الإقبال على هذا النوع من العروض وبين طبيعة شهر رمضان في مصر، بما يحمله من تكثيف لأجواء العبادة والتأمل. إلى جانب البعد الاحتفالي الذي تعكسه الفوانيس الملوّنة المعلّقة في الشوارع والبيوت، وما يصاحبها من أغنيات رمضانية تتردّد في الفضاء العام.
في هذا السياق، تقدّم أفنان شاهر قراءتها الخاصة للمولوية. بحسب ما أورده التقرير، ترى أن لتجربة الدوران الصوفي أهمية مميّزة بالنسبة إلى النساء. وتطمح إلى أن تتحوّل تجربتها إلى مشروع متنقّل تسعى من خلاله إلى السفر وتعليم نساء أخريات هذا النمط من الأداء في بلدان مختلفة . وتصف شاهر هذه الحالة بأنها تجربة ترتقي فوق اللحظة اليومية، تتيح لمن تمارسها أن تعيد صلتها بجسدها ونفسها، وأن تستشعر – وفق تصورها – حضورًا روحيًا داخليًا يربط الراقصة بما تعتبره أثرًا للإيمان في عمق الذات.
يورد التقرير صوت منظِّمة العرض هدير فرغلي التي اعتبرت الأمسية مناسبة لاستحضار فكرة الارتباط بالخالق وبمفهوم المحبة. بحيث يمزج الأداء بين بعد فني يقوم على الإيقاع والحركة واللون، وبعد تأملي يبحث عن معنى روحاني في قلب مدينة مزدحمة. ويتقاطع هذا التصوّر مع طبيعة المشهد الرمضاني في مصر، حيث تتجاور المظاهر الاحتفالية الشعبية، مثل الفوانيس الملونة التي يحملها الأطفال أو تزيّن بها البيوت، مع أشكال متنوعة من الحضور الديني في المساجد والفضاءات العامة. ضمن حالة تجمع بين الطقس الديني والعادة الاجتماعية.
بينما تقدَّم عروض المولوية في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي بوصفها جزءًا من تراث صوفي طويل، يسلّط هذا العرض في القاهرة الضوء على التحوّل في هوية من يمارس هذا الفن، مع دخول مزيد من النساء إلى فضاءات كانت تُعرَّف سابقًا على أنها امتداد لمرجعيات ذكورية في الحقول الدينية والفنية. ويضع التقرير قصة أفنان شاهر ضمن هذا المسار الأوسع، حيث تبدو تجربتها محاولة لإعادة رسم حدود المشاركة في الفنون ذات الخلفية الروحية، من دون القطع مع الإرث الصوفي الذي تستلهمه، بل عبر إعادة صياغته بصوت مختلف داخل المشهد الثقافي المصري المعاصر.


