مبيعات قياسية للكتاب المقدس في الولايات المتحدة عام 2025

أضيف بتاريخ 11/25/2025
دار سُبْحة

تعرف الولايات المتحدة في عام 2025 طفرة غير مسبوقة في مبيعات نسخ الكتاب المقدس، في مفارقة لافتة مع تراجع الانتماء الديني المعلن لدى شريحة واسعة من الأميركيين. فبحسب بيانات شركة "سِركانا" المتخصصة في تتبع سوق الكتاب، ارتفعت مبيعات الأناجيل بنسبة 11٪ مقارنة بعام 2024، لتتجاوز 18 مليون نسخة منذ بداية العام وحتى نهاية سبتمبر، في امتداد لمنحنى صعودي مستمر منذ 2022



هذا الارتفاع اللافت وجد ذروته في شهر سبتمبر 2025، حيث بيعت 2,4 مليون نسخة من الكتاب المقدس خلال شهر واحد، في سياق مشحون عاطفياً على خلفية اغتيال الناشط والمحاور المحافظ تشارلي كيرك، وهو حدث صدم الرأي العام وأعاد تغذية خطاب "العودة إلى الجذور الدينية" لدى جزء من القاعدة المسيحية المحافظة. بيانات المبيعات تظهر قفزة بنسبة تفوق الثلث مقارنة بسبتمبر 2024، ما يعكس لجوء ملايين الأميركيين إلى النص الديني بحثاً عن المعنى والاستقرار في لحظة اضطراب سياسي وأخلاقي عميق. 

المشهد لا يقتصر على الأرقام فقط، بل يمتد إلى طبيعة الإصدارات التي تتصدر قوائم المبيعات؛ إذ تحظى نسخة اقتصادية من ترجمة "الإنكليزية القياسية" برواج كبير إلى جانب نسخة فاخرة باللون الوردي من ترجمة الملك جيمس، كما تتقدم في المبيعات "بايبل أدفنشر" الموجهة للأطفال ونسخة "شي ريدز تروث" المرتبطة بمجتمع نسائي إلكتروني واسع الانتشار يهتم بالقراءة التفسيرية للنصوص الكتابية. تنوع هذه الإصدارات يعكس إستراتيجية نشر تستهدف شرائح محددة: العائلات، النساء الشابات، والأطفال، في محاولة لربط الممارسة الإيمانية بأنماط استهلاك وثقافة رقمية جديدة.

في موازاة ذلك، يبرز بوضوح البعد السياسي–التسويقي للكتاب المقدس في المشهد الأميركي المعاصر، من خلال نجاح ما يعرف بـ"الإنجيل الوطني" المرتبط بصورة مباشرة بالرئيس دونالد ترامب. هذا الإصدار المسمى تجارياً "God Bless the USA Bible"، والمزين بخطاب وطني محافظ ويجمع بين نص ترجمة الملك جيمس ووثائق التأسيس الأميركية، حقق أكثر من 1,3 مليون دولار من العوائد لصالح ترامب في عام واحد، وفق الإفصاحات المالية الرسمية. هنا يتحول الكتاب المقدس إلى منتج سياسي–رمزي، يُستخدم لتثبيت سردية قومية محافظة واستثمار المشاعر الدينية في معركة الهوية الأميركية. 

تثير هذه المعطيات أسئلة حول طبيعة "العودة الدينية" في الولايات المتحدة: هل تعكس صحوة روحية حقيقية، أم هي تعبير عن قلق وجودي وجماعي يدفع المواطنين إلى الرموز الدينية في ظل انقسامات سياسية حادة وخطابات كراهية متصاعدة؟ ارتفاع المبيعات لا يعني بالضرورة عودة منتظمة إلى الممارسة الدينية أو المؤسسات الكنسية، لكنه يبرز دور الكتاب المقدس كمرجع ثقافي وهويّاتي حاضر بقوة في لحظات الأزمات، سواء كانت سياسية أو أخلاقية أو حتى اقتصادية. في هذا السياق، تبدو طفرة مبيعات الأناجيل عام 2025 مرآةً للولايات المتحدة نفسها: مجتمع يمزجه الخوف بالأمل، ويتأرجح بين تراجع الانتماء المؤسسي للدين واستمرار قوة الرموز الدينية في تشكيل المخيال الجماعي.