يقدّم كتاب «كرونيك دو رمضان: رحلة حميمية إلى قلب الصوم» للكاتب والصحافي الفرنسي من أصل جزائري أكرم بلقايد، الصادر عن دار تالاندْييه، محاولة لالتقاط هذا الشهر بوصفه تجربة فردية وروحية، وفي الوقت نفسه ظاهرة اجتماعية شاملة تتجاوز الإطار التعبدي المحض. فالعمل يجمع سلسلة من المقالات كتبها المؤلف على امتداد سنوات، ويتنقل فيها بين مسقط في عُمان والجزائر وعدد من الأحياء الأوروبية، ليبيّن كيف يتجلى الصوم في سياقات جغرافية وثقافية متباينة، من المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة إلى الأقليات المنتشرة في أوروبا.
ينطلق بلقايد من ملاحظة مركزية مفادها أن غير المسلمين في أوروبا نادرًا ما يسألون فعليًا عمّا يعنيه هذا الشهر لمحيطهم. ورغم أن حضوره صار ملموسًا في الحياة العامة عبر انتشار المنتجات الحلال في المتاجر الكبرى، وحملات الترويج التجارية المرتبطة بموائد الإفطار، وتكثيف الكلام عن الصوم على الشبكات الاجتماعية، في المقابل، تطغى في بعض النقاشات السياسية والإعلامية الفرنسية خشية من «استبدال» الدين التاريخي للمجتمع. ورغم تراجع الممارسة الكنسية منذ عقود، ما يضفي على رمضان بعدًا رمزيًا يتجاوز عدد الملتزمين بطقوسه ليصير مرآة للحضور الإسلامي في الفضاء العام. هذه الخلفية المشحونة تجعل من الشهر، في نظر المؤلف، مناسبة للكشف عن سوء الفهم المتبادل أكثر مما تكون مناسبة للتبشير بهوية دينية.
يرسم الكتاب صورة لرمضان كزمن مزدوج: تجربة فردية صارمة، وتجربة جماعية داعمة في آن واحد. فالامتناع عن الطعام والشراب من الفجر حتى المغيب يظل جهدًا لا يمكن تفويضه، لكنه يتحول في المساء إلى طقس اجتماعي واسع يلتف فيه أفراد العائلة والأقارب والأصدقاء حول مائدة واحدة، مع نشاط ديني مواز يشمل أداء صلاة التراويح وختم تلاوة القرآن على مدار الشهر في كثير من المساجد. هذا التداخل بين البعد الجسدي والروحاني، وبين ما هو عائلي وما هو مجتمعي، يدفع بلقايد إلى وصف رمضان بأنه «حدث اجتماعي كامل» يتشابك فيه الديني بالثقافي والاقتصادي والسياسي، وهي فكرة يبرزها أيضًا العرض التقديمي للكتاب في عدد من المنصات الثقافية والإعلامية المهتمة بالشأن الإسلامي في أوروبا.
في السياق الأوروبي، يلاحظ الكاتب أن شريحة واسعة من الشباب ذي الأصول المسلمة قد تكون بعيدة عن ممارسة الشعائر اليومية كالصلاة، لكنها تحرص على صيام رمضان. هذا الحرص ليس فقط تحت تأثير المحيط العائلي أو ضغط الجماعة، بل باعتباره رياضة ذاتية ومجالًا لاستعادة السيطرة على الجسم والعادات. في هذا الإطار، يشير إلى من يوقفون استهلاك الكحول أو يعيدون ترتيب علاقتهم بالطعام والنوم خلال الشهر، كما لو أنهم يسعون إلى إعادة بناء علاقة أكثر هدوءًا مع أنفسهم ومع العالم. هذا الميل إلى تحويل الصوم إلى تجربة تأملية يكتسب بعدًا خاصًا في رمضان 2026، الذي يتزامن وفق الحسابات الفلكية في أوروبا مع الفترة الممتدة تقريبًا من 18 فبراير إلى 19 مارس. أي في مرحلة يكون فيها طول النهار متوسطًا نسبيًا مقارنة بأشهر الصيف.
هذا التزامن الزمني يلتقي، في فرنسا على الأقل، مع عودة محدودة لبعض مظاهر الصوم المسيحي خلال فترة الصوم الكبير لدى أقلية من الشباب المتدين. يربط بلقايد هذا بما يشاهده هؤلاء من إصرار لدى أقرانهم المسلمين على خوض تجربة كاملة لثلاثين يومًا. في خلفية هذا الربط، تلوح أسئلة أوسع حول موقع الدين في مجتمعات أوروبية علمانية رسميًا، لكنها تشهد أشكالًا جديدة من التعبير الروحي الفردي، سواء داخل الأطر التقليدية للأديان أو خارجها. هنا يحرص المؤلف على التمييز بين نزعات التديّن الهادئة وبين الاستغلال السياسي أو الإعلامي لأي «مظهرية» رمضانية لتأكيد سرديات مقلقة حول الهجرة أو الأمن.
الكتاب يتوقف أيضًا عند الوجه الاقتصادي والاجتماعي للشهر. ويشمل ذلك التحول الذي جعل متاجر التجزئة الكبرى تدرك منذ سنوات أن إنفاق عدد من الأسر المسلمة يرتفع خلال هذه الفترة. فتستبقها بعروض خاصة وأركان «حلال» بارزة، في ما يشبه ما تقوم به مواسم الأعياد في المجتمعات ذات الأغلبية المسيحية. هذا البعد التجاري، الذي كان في السابق حكرًا على محلات الحيّ الصغيرة، يمنح رمضان صورة أكثر حضورًا في الفضاء الاستهلاكي. لكنه في الوقت نفسه يساهم في تعميق المسافة بين المعنى الروحي للصوم وبين فائض العرض الغذائي والترفيهي المحيط به. كما حدث لعيد الميلاد في الكثير من البلدان الغربية، يطرح المؤلف سؤال العلاقة بين السوق والمقدّس. وكيف يمكن للطقس أن يبقى مجالًا للتقشف والتفكر في سياق رأسمالي يلتقط كل مناسبة جماعية لتحويلها إلى موسم مبيعات.
بلقايد يلفت إلى التفاوت الكبير في اختبار مشقة الصيام من زاوية الحياة اليومية. يفرق بين من يمضون يومهم أمام شاشات الحاسوب في فضاءات مكتبية مغلقة، وبين العاملين في المهن المجهدة بدنيًا مثل عمال البناء وموظفي المستودعات وسواهم. ويفرد لهم مساحة خاصة بوصفهم فئة تخوض تجربة الصوم في شروط قاسية من دون أن تحظى بالضرورة بنفس الحضور النقاشي. ومع ذلك، يشير إلى أن عددًا من الصائمين يخرجون من الشهر وهم يتحدثون عن تغيّر ملموس في علاقتهم بأجسادهم وبحاجاتهم المادية، بما يمنح التجربة بعدًا يتجاوز حدود الزمن المحدّد للطقس. هذا البعد، إلى جانب السرد الشخصي الذي يتنقل بين المدن والبيوت والأحياء، هو ما يجعل من «كرونيك دو رمضان» محاولة لتجسير الهوة بين تمثلات رمضان في الخطاب العمومي الأوروبي وبين ما يعيشه الأفراد الذين يختارون الانخراط فيه بعيدًا عن الشعارات والهويات الصاخبة.

