قراءة علمانية للتوراة لمفكر مغربي من مراكش

أضيف بتاريخ 03/24/2026
دار سُبْحة

يقدّم المفكّر والكاتب والباحث في التحليل النفسي دانيال سيبوني، المولود في مراكش سنة 1942 قبل أن يهاجر في سن الثالثة عشرة إلى باريس حيث درس الرياضيات والفلسفة وتخصّص في التحليل النفسي، من خلال كتابه الجديد «التوراة، قراءة علمانية» الصادر عن دار «أوديل جاكوب» في فبراير 2026، محاولة لإعادة فتح متن التوراة خارج الأطر اللاهوتية الصارمة، ومن دون الاكتفاء بنزع القداسة عنه لصالح عقلانية تبسيطية. فهو يميز منذ البداية بين قراءة «عقلانية» تحيل كل ما يتجاوز البرهان التجريبي إلى خانة الخرافة، وقراءة «علمانية» تتعامل مع النص كحقل رمزي حي، يسمح للعقل بأن يعمل من داخل التجربة البشرية بما فيها من عاطفة وإلهام ورغبة، لا من خارجها. في هذا المنظور، لا تُختزل التوراة إلى سجل ديني ولا إلى سردية تاريخية، بل تُعامَل كأثر لغوي ورمزي يحاول الإمساك بما يسميه «نقاط الانفعال والإلهام» في الحياة البشرية، أي تلك اللحظات التي يصعب حبسها في منطق حسابي صرف.



ينطلق سيبوني من فكرة أن استبعاد «اللامعقول» من أي تجربة إنسانية يعني استبعاد الجزء الأكثر كثافة فيها. ولذلك، يقترح أن يكون العقل نفسه منفتحاً على ما لا يمكن تفسيره كلياً، من دون أن يستسلم له أو يحوّله إلى عقيدة. بهذا المعنى، يقدم تعريفاً خاصاً لما يسميه «القراءة العلمانية» للتوراة، بوصفها قراءة «عقلانية» لكنها لا تنفي المناطق الملتبسة والغامضة، بل تدمجها في فهم أوسع للوجود الإنساني. من هنا يأتي اقتراحه باعتبار أن «الله هو الحياة مضافاً إليها مجموع الروابط الرمزية التي تنسجها»، من الروابط العاطفية إلى القوانين الفيزيائية التي تنظّم الواقع المحسوس. ما يجعل الإله في هذا التأويل أقرب إلى بنية رمزية منه إلى كيان شخصي ثابت.

في هذا السياق، يتوقف عند لحظات الوحي كما ترد في النص التوراتي، لا باعتبارها وقائع فوق طبيعية بل بوصفها نقاط يتكثف فيها «الكلام» على نحو يجعل الكائن البشري في تماس مع ما يفوق تجربته الخاصة. يشير إلى أن لفظ «الوجود» بالعبرية «هڤيا» يمكن قراءته كترتيب آخر لأحرف الاسم الرباعي «يهوه»، في محاولة لتقريب الفكرة القائلة بأن ما يُسمى «الإله» هو في جوهره فعل من أفعال الوجود نفسه. بذلك تصبح «الكلمة الإلهية» صورة لعلاقة مع الوجود تتناقلها الأجيال، بحيث إن ما قيل لموسى يمكن أن «يقول شيئاً» لكل قارئ لاحق، عبر ما يسميه سيبوني توتراً رمزياً مستمراً يشكل قاعدة لمفهوم العهد بين جماعة بشرية وما تعتبره نداءً يتجاوزها.

يتوسع الكاتب في تحليل العناصر التي قد تبدو للوهلة الأولى غير عقلانية، مثل قصص الكراهية بين الإخوة، أو مشاهد الغيرة والعنف، أو فكرة الذبيحة الحيوانية كطريق لعبور الإحساس بالذنب. هذه العناصر لا تُقرأ كأحكام أخلاقية، بل كصيغ رمزية لتجارب بشرية متكررة: الغيرة الأسرية، التنافس على الاعتراف، الحاجة إلى تحويل الذنب إلى فعل ملموس يتيح تجاوزه. هكذا تتحول التوراة، في قراءته، إلى مختبر سردي للمشاعر البشرية، حيث يتم تسجيل صراعاتها بأشكال حادة، من دون أن يعني ذلك تبنيها أو تبريرها، بل إتاحة فهمها وتعقّل منطقها الداخلي.

أحد الأمثلة المركزية في هذا الطرح قصة «شقّ البحر» في الخروج من مصر. بدلاً من مقاربة الحدث كمعجزة خارقة أو كأسطورة خيالية، يقترح سيبوني تصور «بحر القصب» بوصفه مساحة مائية ضحلة قابلة لأن تنحسر تحت تأثير رياح قوية. هذا ما يتيح عبور جماعة من البشر ثم عودة المياه فجأة مع تغيّر اتجاه الريح، فتغرق القوات المطاردة. غير أن العنصر الحاسم في السردية، بنظره، ليس البعد الفيزيائي بل توقيت الحضور البشري: وجود موسى في «المكان المناسب واللحظة المناسبة»، بما يجعله قادراً على التقاط إمكانية كامنة في الطبيعة وتحويلها إلى حدث مؤسس لجماعة. هنا يتخذ «المعجزي» شكلاً آخر، لا يقوم على تعليق القوانين الطبيعية بل على اجتماع الصدفة الموضوعية مع فطنة اللحظة البشرية.

يمتد هذا المنطق إلى فكرة «الوعد» بالأرض كما ترد في التوراة، والتي تشكل أحد المواضيع المهمة في النقاشات المعاصرة حول الشرق الأوسط. سيبوني لا يقرأ الوعد كقرار إلهي سياسي جاهز، بل يعيد طرح السؤال عن معنى أن «يَعِد الوجود نفسه جماعة بأرض». إذا كان «الوجود» هو ما يمنح الكائن حضوراً، فإن الوعد، في هذا التصور، يصبح فعلاً من أفعال نقل الحضور عبر الزمن: ما دامت الوعود لم تتحقق بالكامل، فإنها تنتقل من جيل إلى آخر وتشكل خيطاً أساسياً في تكوين الجماعة التي تتلقاها. هكذا يتحول «الشعب» إلى نتيجة لاستمرارية وعد لم يكتمل، أكثر منه ناتجاً عن تعريف عرقي أو ديني جامد.

على هذا الأساس، يرى سيبوني أن العلاقة بين الشعب اليهودي والأرض التي يعتبرها «موعودة» له ليست مجرد علاقة ملكية قانونية أو حق تاريخي، بل علاقة صاغها تكرار النص وتكرار التعلّق به عبر قرون. هذا الارتباط الرمزي جزءاً من هوية الجماعة حتى في فترات المنفى الطويلة. في قراءته، أنتج هذا الارتباط أثراً واقعياً يتمثل في عجز جماعات أخرى عن تثبيت كيان سياسي مستقر على هذه الأرض خلال فترات معينة. وهو ما يفسّره باعتباره أحد تجليات القوة الرمزية داخل الحقل الواقعي. من هنا يصف كتابه بأنه بحث «ما قبل ديني»، أي أنه يحاول طرح الأسئلة التي سبقت تشكّل الأطر الدينية المؤسسة. هدفه هو تحريرها من الاحتكار الخطابي الذي مارسته المؤسسات الدينية طوال قرون على تفسير الظواهر الرمزية.

في الفصل المتعلق بالفروق بين القراءة العلمانية والقراءة الدينية للتوراة، يوضح سيبوني أن القراءة الدينية تنطلق من إله محدّد الهوية، شخصي ومتعالٍ. في حين تقترح قراءته التعامل مع «الإلهي» كـ«وظيفة وجود» أو «حقل قوى» يتجلى في لحظات الإلهام والفرادة التي يعيشها الأفراد والجماعات. بهذا المعنى، لا يعود الاهتمام الإلهي بالتفاصيل اليومية للفرد مجرد تصور بسيط، بل يمكن فهمه كتعبير عن كون الحقل الرمزي يلامس حياة كل شخص في جزئياتها الدقيقة، تبعاً لطريقة تموضعه أمام ما يسميه «لانهاية الممكنات». وهكذا لا يعود الدين نظاماً مغلقاً من الأوامر والنواهي، بل مجالاً يمكن تفكيك عقده ورؤية ما تحتويه من أسئلة حول المصير والمعنى والحدود الإنسانية.

في سياق هذا المسار التأويلي، يقدم سيبوني صورة للتوراة كنص قابل لأن يكون «مخاطباً للجميع»، سواء كانوا متدينين أو لا دينيين، أفراداً أو جماعات، شرط قبولهم الدخول في قراءة تعترف بالبعد الرمزي للقصص والأوامر والشرائع، وتتعامل معها كأشكال لتجارب بشرية عميقة بدلاً من التعامل معها كمعطيات حرفية أو مجرد مواد تراثية. بهذه الطريقة، تصبح «القراءة العلمانية» التي يقترحها محاولة لإعادة إدخال التوراة في حقل التداول العام، لا باعتبارها وثيقة دينية فحسب، بل باعتبارها نصاً تأسيسياً في فهم علاقة الإنسان بالوجود، وبالتاريخ، وباللغة التي تحاول التعبير عن كليها في آن واحد.