‎تحول النظريات السياسية الإسلامية بين مشروع المودودي ورؤية سروش ما بعد الإسلاموية

أضيف بتاريخ 03/25/2026
دار سُبْحة

المقال الحالي يستند إلى دراسة بحثية صادرة عن مركز نهوض للدراسات والبحوث، تتناول التحول المعرفي من الإسلاموية إلى ما بعد الإسلاموية من خلال مقارنة مشروع أبي الأعلى المودودي بمشروع عبد الكريم سروش، وقد وضع هذه الدراسة الباحث إبراهيم أكوتش وقام بنقلها إلى العربية المترجم أحمد محمد بكر موسى في إطار سلسلة «ترجمات» المتخصصة في التعريف بالأعمال الفكرية الأكاديمية حول قضايا الفكر الإسلامي والسياسة الحديثة.



يرصد النص المترجم مسارًا فكريًا متدرجًا انتقل عبره التفكير السياسي الإسلامي من نموذج «الإسلاموية» الكلاسيكي إلى أفق «ما بعد الإسلاموية»، من خلال المقارنة بين مشروعين متباينين يجسدهما أبو الأعلى المودودي وعبد الكريم سروش داخل سياقين تاريخيين واجتماعيين مختلفين تمامًا. يقوم البناء التحليلي على قراءة الخلفيات الكولونيالية والثورية التي أحاطت بتجربتي شبه القارة الهندية وإيران، وعلى تتبع أثر هذه السياقات في تشكيل تصورات متعارضة لعلاقة الدين بالسياسة، وطبيعة الدولة، وحدود الشريعة، ومعنى الحداثة والديمقراطية.

يقدم النص المودودي بوصفه ممثلًا لما يسميه باتريك بانرمان «المحافظ التقليدي» الذي ينطلق من تصور شامل للدين باعتباره نظامًا كاملاً يغطي جميع مجالات الحياة، ويعتبر أن أي مشروع سياسي مشروع ما لم يكن مؤسسًا على سيادة إلهية مطلقة تجعل التشريع حكرًا على الوحي وترفض جذريًا أولوية الإرادة الإنسانية والقانون الوضعي. في هذا التصور، تصبح مفاهيم مثل الألوهية والربوبية والعبادة، كما بسطها المودودي في كتابه «المصطلحات الأربعة في القرآن»، ركائز نظرية لبناء مشروع أيديولوجي يسعى إلى إقامة دولة إسلامية تعتبر نفسها الأداة الضرورية لترجمة السيادة الإلهية إلى نظام سياسي واجتماعي وقانوني ملزم للجماعة كلها.

هذا الفهم يقود المودودي إلى موقف حاد من القوانين الوضعية، إذ يراها انتقاصًا من حق الله في التشريع واعتداءً على الحرية الحقيقية للإنسان التي لا تتحقق إلا بالخضوع الكامل لأحكام الوحي، بينما تُصوَّر الدولة الإسلامية ككيان ذي وظيفة تتجاوز حماية الأمن والحدود إلى هندسة شاملة للمجتمع على أساس أيديولوجيا دينية محددة. ومع أن المودودي يستعيض عن مفهوم «السيادة» بمفهوم «الخلافة» التي تُسند، نظريًا، إلى جماعة المؤمنين بأسرها، إلا أن النص يبين أن هذا التصور ينتهي عمليًا إلى نخبوية معرفية وأخلاقية تمنح إدارة الدولة لمن يملكون «المعرفة الإسلامية» الصحيحة، مع غموض مستمر حول الضمانات الفعلية للحقوق الفردية وحدود سلطة الدولة.

في المقابل، يقدم النص عبد الكريم سروش بوصفه نموذج «إصلاحي تحديثي» يميز بصرامة بين الدين في ذاته والمعرفة الدينية بوصفها نتاجًا بشريًا تاريخيًا خاضعًا للتطور والتصويب، ويرى أن التغير المتواصل في العالم يفرض مراجعة دائمة لتأويل النصوص بدل الاكتفاء بقراءة حرفية ثابتة. ينطلق سروش من تزاوج بين تقاليد فلسفية إسلامية ورؤى إبستمولوجية حديثة ليؤكد أن تعدد التأويلات واختلاف الآفاق التاريخية للمفكرين ينتج خرائط متغيرة للمعرفة الدينية، ما يفتح الباب أمام إعادة بناء الفقه والكلام والسياسة الدينية وفق حاجات المجتمعات المعاصرة دون ادعاء امتلاك قراءة نهائية للنص.

من هذا المنطلق ينتقد سروش تحويل الإسلام إلى أيديولوجيا سياسية مغلقة، ويرى أن هذا التحويل، الذي كان في قلب التعبئة الثورية الإيرانية أواخر السبعينيات، يختزل الدين في وظيفة صراعية ضد خصوم محددين ويحوّله إلى جهاز تعبوي يقيد التفكير الحر وينتهي إلى الاستبداد باسم العقيدة. بديله المقترح يتمثل في تصور حكومي يعتبر أن الشكل الوحيد المقبول سياسيًا لأية «حكومة دينية» هو أن تكون ديمقراطية تحمي في آن واحد حرمة الدين وحقوق الإنسان، وألّا تجعل بقاءها مشروطًا بفرض تأويل واحد على المجتمع أو بحماية أيديولوجيتها الخاصة ضد مواطنيها.

يمتد هذا التحول المعرفي في فكر سروش إلى إعادة صياغة العلاقة مع الغرب؛ فبدل خطاب «الغزو الثقافي» والعزلة الدفاعية، يدعو النص إلى تفاعل نقدي منفتح يرى في التواصل العلمي والثقافي مع المجتمعات الأخرى شرطًا لتطور المعرفة الدينية والدنيوية معًا، مع رفض كلٍّ من الاستنساخ الكامل والتقوقع الكامل في آن واحد. هكذا يصبح الغرب فضاءً متنوعًا يمكن انتقاء عناصره المعرفية والعلمية ضمن عملية تكيّف نقدي، في مقابل رؤية المودودي التي تشدد على بناء مشروع سياسي مغلق في مواجهة نفوذ الحضارة الغربية وقيمها.

تخلص الدراسة إلى أن الإسلاموية المودودية، رغم تسويغها النظري الواسع في لغة القرآن ومفاهيمه، لم تنتج نموذجًا مؤسسيًا قادرًا على تحقيق توازن مقنع بين سلطة الدولة وحقوق الأفراد أو على منافسة الدولة القومية الحديثة إلا بإعادة إنتاج بنيتها المركزية بأسلوب ديني. بالمقابل، تبدو «ما بعد الإسلاموية» في قراءة سروش محاولة لتأسيس ثقافة سياسية مدنية تعددية تتجاوز منطق التعبئة الأيديولوجية الشاملة، وتعيد تنظيم العلاقة بين الدين والسياسة على أساس أولوية الحقوق والتعددية والت historicity، مع إقرار بأن استمرار نفوذ هذا التصور يبقى مرتبطًا بقدرة المجتمعات على دمج مطالب الحرية والعدالة والمعرفة ضمن أفق ديني منفتح وغير عنيف.


‎⁨2144- تحول معرفي من الإسلاموية إلى ما بعد الإسلاموية⁩ ‎⁨2144- تحول معرفي من الإسلاموية إلى ما بعد الإسلاموية⁩