السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أعزاءنا القراء،
أهلاً بكم في عدد جديد من «نشرة سُبْحة»، حيث نتابع تفاعلات الدين والسياسة والأمن والروحانيات من واشنطن إلى بكين، ومن الساحل الإفريقي إلى الرباط ولندن، بلغة هادئة وموضوعية تحترم كل التقاليد الدينية.
في واشنطن: إبراز الجذور المسيحية تحت رعاية إدارة ترامب
تشهد واشنطن هذه الأيام تجمعات حاشدة لـ«يوم صلاة وطني» تسوّق لفكرة «الجذور المسيحية لأمريكا»، بمشاركة وجوه بارزة من الإدارة الحالية للرئيس دونالد ترامب، في تقاطع واضح بين الدين والسياسة والهوية القومية. تشير تغطيات صحف مثل La Croix ووسائل أخرى إلى أنّ هذا الحدث يُقدَّم كمنصة فعلية للتيار المسيحي القومي (Christian nationalism)، مع حضور قوي لخطاب يمزج الدفاع عن «القيم المسيحية» بالقلق من التحولات الديموغرافية والثقافية.
يرى باحثون في السوسيولوجيا الدينية أنّ هذه التعبئة تسعى إلى ترسيخ صورة «أمريكا البيضاء المسيحية» كهوية مرجعية، عبر ربط الإيمان بالولاء الوطني واستحضار رموز تاريخية مثل إعلان الكونغرس عام 1776 يوماً للصوم والصلاة دعماً للثورة ضد البريطانيين. في المقابل يعبّر مدافعون عن العلمانية وحقوق الأقليات الدينية (مسلمين ويهوداً وغير متدينين) عن مخاوف من تحوّل هذه الفعاليات إلى أداة إقصاء سياسي ورمزي لمن لا يشاركون هذا التعريف الضيق للأمة
إياد أغ غالي: الجهادي الذي يهزّ مالي
يكشف تحقيق موسّع لـ«لوموند» عن دور إياد أغ غالي، زعيم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» (GSIM)، في الهجوم المشترك أواخر أبريل على مدينة كيدال ومدن أخرى، بالتنسيق مع «جبهة تحرير أزواد» ذات الأغلبية الطوارقية. رغم اختفائه عن الأنظار، يُقدم أغ غالي بصفته «العقل المدبر» الذي يصوغ الاستراتيجية العسكرية والسياسية للجماعة، مستهدفاً إسقاط سلطة الجنرال عاصمي غويتا في باماكو وإقامة حكم إسلامي يُطبَّق فيه «نموذج مخفف» من الشريعة مقارنة بتجارب 2012 الدموية.
التقرير يوضح أنّ أغ غالي بنى نفوذه عبر مسار طويل: من «الفيلق الأخضر» في ليبيا في الثمانينيات إلى قيادة تمرد طوارقي في التسعينيات، قبل التدرج نحو السلفية الجهادية وتأسيس GSIM عام 2017، معتمدًا على شبكة تحالفات تمتد من قبائل الطوارق في الشمال إلى قادة دعويين وازنين في باماكو. في 2025، انتقل تنظيمه إلى «جهاد اقتصادي» يستهدف خنق العاصمة عبر ضرب طرق التجارة وفرض حصار على الوقود، ما جعل الجماعة تظهر لشرائح من السكان كـ«خصم فعّال» متهمة بالقمع والانتهاكات، رغم طبيعة مشروعها المتشددة.
مسيرة يوم النكبة في لندن: حضور جماهيري واستقطاب موازٍ
شهدت لندن السبت مسيرتين منفصلتين: الأولى لليمين المتطرف تحت شعار «توحيد المملكة»، والثانية مسيرة ضخمة لإحياء ذكرى النكبة، أي تهجير الفلسطينيين إبّان حرب 1948 عقب قيام دولة إسرائيل. وفق تغطية The Guardian شارك عشرات الآلاف في مسيرة النكبة بين كنسينغتون وPall Mall، في أجواء غلب عليها الطابع السلمي وسط انتشار أمني كثيف للفصل بين المسيرتين.la-croix
شرطة العاصمة أعلنت تنفيذ 12 اعتقالاً على صلة بمسيرة النكبة، بينها حالتان بتهمة «التحريض على الكراهية»، في سياق جدل بريطاني متصاعد حول حدود حرية التعبير في قضايا إسرائيل/فلسطين وموقع الخط الأحمر بين التضامن السياسي وخطابات الكراهية. المسيرة تعكس استمرار مركزية القضية الفلسطينية في الفضاء العام الأوروبي، وخصوصاً لدى الجاليات المسلمة والعربية، مع توظيف واسع لرموز دينية وتاريخية في الشعارات والخطابات.
الصين: تشديد القبضة على المسيحيين الرافضين لـ«الولاء الكامل»
تحقيق فيديو لـ«لوموند» يوثّق هجوماً ليلياً شنّته مئات عناصر الشرطة بعتاد مكافحة الشغب على كنيسة في بلدة يايانغ، قرابة الثالثة فجراً، لاعتقال المصلين بسبب رفضهم رفع علم جمهورية الصين الشعبية على المبنى. بالاستناد إلى فيديوهات محلية موثقة وصور أقمار صناعية وشهادات ميدانية، يستعرض التقرير أربعـة أيام من عملية ممنهجة لـ«إخضاع» المجتمع المسيحي المحلي وإجباره على الاصطفاف تحت الهياكل الرسمية التي تراقبها الدولة.
الحالة تُقدَّم كنموذج لسياسة أشمل تُمارسها بكين تجاه الكنائس التي ترفض الانضواء في الكنائس «الوطنية» المعترف بها، إذ يُنظر إلى بعض الجماعات المسيحية على أنها «حصان طروادة أجنبي» يمكن أن يهدد السيطرة الأيديولوجية للحزب الشيوعي. هذا التشدد يندرج في سياق أوسع من السعي إلى «صيننة» الأديان، أي مواءمة كل تعبير ديني مع القيم الرسمية للدولة، وهو مسار يطال أيضاً المسلمين في بعض المناطق، والبوذيين والتيارات الروحية الأخرى.
الكنيسة الكاثوليكية تستعد لأول رسالة بابوية كبرى عن الذكاء الاصطناعي
وقّع البابا ليون الثالث عشر على أولى رسائله البابوية (Encyclique) المخصّصة للذكاء الاصطناعي وتداعياته الأخلاقية والإنسانية، في خطوة وصفتها وكالة Associated Press بأنها انتقال من «التوصيات التقنية» إلى تأطير لاهوتي–اجتماعي شامل لقضية الذكاء الاصطناعي. الرسالة المرتقبة، التي يُنتظر نشرها قريباً، ستربط الذكاء الاصطناعي بتعاليم الكنيسة حول العدالة الاجتماعية والعمل والسلام، مع التأكيد على أن التقنيات الجديدة يجب أن «تكمل» الإنسان لا أن تستبدله.
الكرسي الرسولي سبق أن نشر وثائق إرشادية حول الذكاء الاصطناعي في مجالات الحرب، والتعليم، والصحة، محذّراً من سباق تسلّح تقني ومن خوارزميات تكرّس اللا مساواة، وداعياً إلى معاهدات دولية لتنظيم القطاع. كما أعلن الفاتيكان تشكيل مجموعة خبراء لمتابعة الملف نظراً لـ«سرعة التقدم» في الذكاء الاصطناعي، ما يعكس رغبة في لعب دور مرجعي أخلاقي في النقاش العالمي حول رقمنة الحياة والعمل.
الجمجمة المسروقة لقديسة تشيكية… مخفية في الخرسانة
أعلنت الشرطة التشيكية أنها عثرت على جمجمة قديسة تعود إلى نحو 800 عام، يُعتقد أنها للقديسة زديزلافا من ليمبرك، بعد أيام من سرقتها من كنيسة في شمال البلاد. الجمجمة كانت محفوظة في مذخر زجاجي داخل بازيليك القديس لورانس والقديسة زديزلافا، قبل أن تُنتزع في وقت كانت فيه أجهزة الإنذار معطلة قبيل قداس، ثم يُعثر عليها لاحقاً وقد طُمست داخل قالب من الخرسانة.
الشرطة أوقفت رجلاً يبلغ 35 عاماً، قالت إنه اعترف بالسرقة احتجاجاً على «عرض» الجمجمة للعامة، وكان يخطط لتغليفها بالخرسانة ورميها في نهر «كدفن خاص» بعيداً عن الطقوس الكنسية. الخبر فتح نقاشاً في الأوساط الكاثوليكية والأكاديمية حول معنى الرفات المقدسة وحدود عرضها للجمهور بين الإكرام الديني والفضول السياحي، وكذلك حول التوتر بين التدين الشعبي وحساسيات علمانية متنامية في مجتمعات أوروبية.
فرناندو بيسوا والإسلام: قراءة أدبية في الأفق الروحي
تناقش مقالة في مجلة «الفيصل» العربية حضور الإسلام في عالم الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا، ليس بوصفه عقيدة متبنّاة، بل كأفق تخييلي وروحي يتقاطع مع انشغاله بالهوية والتعدد. تشير الدراسة إلى أن بيسوا، المعروف بهوياتِه المتعددة (الـ«هترونيمات»)، استلهم صوراً عن الشرق والإسلام في شعره ومراسلاته، في سياق جيل أوروبي كان يقرأ الإسلام بين الاستشراق الثقافي والبحث عن بدائل روحية للحداثة الغربية.
المقالة تقارن بين تمثلات الإسلام في نصوص بيسوا وبين قراءات معاصرة للإسلام في الأدب الغربي، مبرزة كيف أن الشاعر حاول، ولو بشكل غير مكتمل، كسر صورة «الآخر المطلق» وإدماج الإسلام في أسئلته عن الله والقدر والحرية. هذه المقاربة تهمّ القارئ العربي لأنها تعيد وضع الإسلام في حوار ثقافي أوسع مع تراث أوروبي حداثي، بعيداً عن ثنائيات الصدام البسيطة.
يقظة أمنية ومناعة مجتمعية في المغرب: مواجهة الاستقطاب والتطرف
تسلّط مقالة تحليلية في «هسبريس» الضوء على مفهوم «اليقظة الأمنية» في المغرب كجزء من مقاربة شمولية لمكافحة التطرف والإرهاب، مع التركيز على دور المجتمع في بناء «مناعة» ضد الخطابات المتشددة. التقرير يبرز نجاحات الأجهزة الأمنية في تفكيك خلايا متطرفة، لكنه يشدد أيضاً على أهمية العمل الثقافي والديني، عبر تأطير الحقل الديني، وتكوين الأئمة والمرشدات، وبرامج إعادة الإدماج للمعتقلين السابقين.
يطرح المقال فكرة أن الأمن لا يُختزل في المقاربة البوليسية، بل يشمل تعزيز الثقة في المؤسسات، والعدالة الاجتماعية، ومسارات التربية الدينية الوسطية، بما يحد من قابلية الشباب للانجرار وراء خطاب العنف. هذه الزاوية تضع المغرب في موقع نموذج إقليمي يجمع بين إصلاح الحقل الديني والسياسة الأمنية الاستباقية، مع نقاش مستمر حول حقوق الإنسان وحدود تدخل الدولة في المجال الروحي.
أسئلة الإسلام وحدود الحوار: ابن عربي و«أخلاقيات الإصغاء»
في حلقة من برنامج «أسئلة الإسلام» على إذاعة «فرانس كولتور»، يناقش الضيوف شخصية ابن عربي بوصفه «Doctor Maximus»، أي العارف الأكبر، مركزين على رؤيته لوحدة الوجود وانفتاحه على الأديان الأخرى. الحلقة تبرز كيف أن ابن عربي قدّم تصوراً «كونياً» للمعرفة الإلهية، يرى الحقيقة موزّعة في كل التقاليد، ما يجعله مرجعاً معاصراً لكل من يبحث عن لاهوت للحوار والتعدد بدل الإقصاء.
في برنامج آخر «À voix nue»، يُستكمل النقاش عبر تناول «أخلاقيات الحوار» مع الفيلسوف المدعو، حيث يتم التأكيد على أن الإصغاء للآخر المختلف دينياً ليس مجرد «تسامح» بل تمرين معرفي وأخلاقي يعيد صياغة فهمنا لذواتنا. هذه النقاشات الفكرية، وإن بدت نخبوية، تغذي اليوم مضموناً دينياً جديداً في أوروبا، أكثر حساسية للتعدد الديني والهجرة المسلمة.
من باريس إلى الدار البيضاء: دين، مدرسة، وفضاء عمومي
يتناول تقرير في «Le360 عربي» ملف الجدل حول الرموز الدينية والتعليم في أوروبا، مع إحالة إلى قضايا الحجاب، الكيبا اليهودي، والرموز المسيحية في المدارس والفضاء العام. يعرض النص مواقف متباينة: بين من يرى في حظر الرموز حمايةً للحياد العلماني للدولة، ومن يعتبره استهدافاً للأقليات الدينية، خاصة الجاليات المسلمة.
في مادة أخرى على «Le360» تتعلق بالمجتمع المغربي، يُناقش حضور الدين في الحياة اليومية، وتحديات التوفيق بين التدين الفردي وتحديث المجتمع، من الأسرة إلى المدرسة ووسائل التواصل. هذه النقاشات تعكس ترابط السجال حول الدين في أوروبا والمغرب، بحكم الهجرة والفضاء الإعلامي المشترك والتمثيلات المتبادلة.
أخلاقيات الحوار في زمن الاستقطاب
في سلسلة «À voix nue» على «فرانس كولتور»، يناقش الضيف (فيلسوف أو مفكر معاصر) مفهوم «أخلاقيات الحوار» في سياق ديني وسياسي شديد الاستقطاب. تُطرح أسئلة حول كيفية إدارة الاختلاف الديني من دون الوقوع في نسبية كاملة أو في أحادية متصلبة، مع استحضار نماذج من الحوارات الإسلامية–المسيحية واليهودية–المسلمة.
السلسلة تذكّر بأن الحوار ليس «ديكوراً» بل إطاراً لإنتاج معرفة مشتركة، وأن الصدق والاعتراف بحدود الذات شرط لأي نقاش مثمر حول النصوص المقدسة والممارسات الدينية. في زمن تتضخم فيه وسائط التواصل الفوري وخطب الكراهية، تصبح هذه الأخلاقيات جزءاً من «المناعة المجتمعية» ضد العنف الرمزي والمادي باسم الدين.
شكراً لرفقتكم في هذا العدد من «نشرة سُبْحة». نلتقي في العدد القادم مع قصص جديدة عند تقاطع الدين والسياسة والثقافة في المغرب والعالم، إلى ذلك الحين… قراءة هادئة ويقظة نقدية.



