احتضنت مدينة طنجة إفطارا رمضانيا داخل الكاتدرائية الكاثوليكية جمع ممثلين عن القيادات الدينية والفكرية وفاعلين مدنيين من أتباع الديانات السماوية الثلاث، في مبادرة حملت طابعا تنظيميا لمؤسسة آدم للأخوة الإنسانية، وهدفت إلى ترسيخ قيم التلاقي بين المرجعيات الروحية المختلفة في فضاء واحد يشترك فيه الصيام والعبادة والحوار. تزامن هذا اللقاء مع حلول شهر رمضان، ما منح الحدث بعدا زمنيا خاصا يرتبط بطقوس الصوم لدى المسلمين من جهة، وباستحضار مشاعر التقارب والتضامن بين المؤمنين من جهة أخرى، مع اختيار فضاء كنسي مسيحي لاحتضان الإفطار الجماعي.
المنظمون قدموا الإفطار كجزء من ملتقى أوسع للأخوة الإنسانية يسعى إلى إبراز أدوار الفاعلين الدينيين والمدنيين في بناء جسور التواصل بين المجموعات العقائدية، مع حضور شخصيات يهودية ومسيحية ومسلمة ضمن برنامج صيغ ليجمع بين البعد الرمزي والبعد العملي في آن واحد. وتحدث أحد المسؤولين عن هذا الملتقى عن يوم اعتبره مميزا في طنجة، بالنظر إلى اجتماع قيادات دينية تمثل أديانا مختلفة حول مائدة رمضانية مشتركة، في إشارة إلى سعي المؤسسة المنظمة إلى تحويل فكرة الأخوة الإنسانية إلى ممارسة ملموسة تتجاوز الخطاب النظري.
وشمل البرنامج زيارات ميدانية لمحطات ذات دلالة دينية وتاريخية في المدينة، من بينها كنيس ناحون اليهودي الذي يعد من أبرز المعابد اليهودية التاريخية داخل المدينة العتيقة لطنجة، حيث تم تقديم هذا الفضاء بوصفه شاهدا على حضور يهودي ضارب في العمق ضمن النسيج الحضري المحلي. كما تضمن الحدث إطلاق سرب من الحمام من ساحة مسجد محمد الخامس، في فعل رمزي ارتبط برسالة سلام موجهة إلى الفضاء العام، وجاءت مرفوقة بمبادرة غرس ثلاث شجرات ترمز إلى الديانات الإبراهيمية الثلاث، في إشارة إلى الجذور المشتركة مع تمييز المسارات الخاصة بكل تقليد ديني.
عدد من المشاركين استعادوا في تدخلاتهم تجربة العيش المشترك في طنجة، مبرزين أن العلاقات بين المسلمين والمسيحيين واليهود داخل المدينة تشكلت تاريخيا في إطار تصور يعتبر السكان بمثابة عائلة واحدة، مع حضور ذكريات اجتماعية تعود إلى الطفولة حيث التقت الأجيال في الأحياء والأسواق والمدارس بغض النظر عن الانتماء الديني. هذه الشهادات الشفوية أضفت بعدا معيشا على فكرة التعايش، وربطت بينها وبين مسارات الحياة اليومية لسكان المدينة، بما في ذلك المشاركون الذين أكدوا استمرار هذا النمط من العلاقات في الزمن الراهن، رغم التحولات الاجتماعية والثقافية التي عرفتها المنطقة.
الملتقى الرمضاني حمل أيضا بعدا حضريا واضحا، إذ سعى القائمون عليه إلى تقديم طنجة كمدينة ذات وظيفة تواصلية بين فضاءات جغرافية وثقافية مختلفة، انطلاقا من موقعها على الواجهة المتوسطية والأطلسية، وارتباطها التاريخي بأوروبا وإفريقيا في آن واحد. وتم تقديم المدينة باعتبارها نقطة عبور وتلاق، حيث تتجاور المعالم الدينية المتنوعة من مساجد وكنائس ومعابد يهودية، ضمن نسيج عمراني يجمع بين أحياء قديمة ذات طابع تاريخي ومناطق حديثة تشهد تحولات عمرانية واقتصادية متسارعة.
في هذا السياق، برزت مؤسسة آدم للأخوة الإنسانية كفاعل مدني يسعى إلى استثمار الرمزية التي يحملها شهر رمضان ومكانة طنجة في المخيال الجماعي من أجل إعادة صياغة خطاب حول السلام والتسامح، مع ربطه بفعاليات ميدانية وتعبيرات عملية مثل اللقاءات المباشرة، والزيارات المشتركة، والطقوس الرمزية المرتبطة بالطيور والأشجار. وقدم القيمون على الملتقى الإفطار الجماعي داخل الكاتدرائية الكاثوليكية بطنجة بوصفه تجسيدا لإمكانية اجتماع مرجعيات روحية مختلفة في فضاء واحد يلتقي فيه الصائمون مع رجال الدين من ديانات أخرى، في مشهد يهدف إلى تكريس صورة مدينة متعددة الأبعاد الثقافية والدينية




