موقف الداعية الأسترالي محمد توحيدي من سياسات إيران الإقليمية

أضيف بتاريخ 03/18/2026
دار سُبْحة

تقدّم المقابلة المطوّلة مع الداعية الأسترالي من أصل إيراني المعروف بلقب “Imam of Peace” على منصة “Visegrad24” قراءة شديدة الحدّة لطبيعة النظام الإيراني وأسباب استهدافه المتكرر لدول في الشرق الأوسط، مع التركيز على البعد العقائدي لـ“ولاية الفقيه” وتقاطعاتها مع إرث جماعة “الإخوان المسلمين”، إلى جانب إبراز نموذج مغاير تمثله قيادة دولة الإمارات العربية المتحدة.



ينطلق المتحدث من توصيف النظام القائم في طهران بوصفه سلطة دينية مسلّحة بفكرة “تفويض إلهي”، يرى أن من شأنها أن تُسقط كل القيود التقليدية في العلاقات الدولية، إذ يصوَّر “المرشد الأعلى” كصاحب ولاية مطلقة على ملايين البشر، بل ومفوّض من “السماء” لاتخاذ قرارات الحرب والسلم. في هذا التصور، لا يعود النزاع مع الولايات المتحدة أو إسرائيل مجرّد خلاف سياسي، بل امتداداً لمعركة كونية بين “معسكر إلهي” مزعوم وخصوم يُنعتون بـ“الشيطان الأكبر” و“الشيطان الأصغر”، بما يحوّل أي تسوية أو تنازل إلى خيانة للعقيدة لا مجرد تراجع تكتيكي.

وتربط المقابلة بين سيرة المرشد الراحل علي خامنئي وبين تأثيرات فكرية منسوبة إلى كتابات أحد رموز “الإخوان المسلمين”، في محاولة لشرح الكيفية التي امتزجت بها سردية الثورة الإسلامية الشيعية مع هندسة تنظيمية سُنّية الطابع، قائمة على بناء شبكة عابرة للحدود، تستثمر العنف والأذرع المسلحة والحرب بالوكالة. وفق هذا المنظور، لا يُنظر إلى “الإخوان” كتيار داخل المذهب السني بقدر ما يُقدَّمون كتنظيم أممي “اختطف” المجال السني لمصلحة مشروع أيديولوجي ذي طبقات عدة، من الدعوي والاجتماعي إلى الأمني والعسكري.

في هذا السياق، يُطرح سؤال جوهري في المقابلة: لماذا باتت دول الخليج هدفاً مباشراً أو غير مباشر للصواريخ والطائرات المسيّرة المنسوبة إلى إيران أو حلفائها، بينما تتجنّب طهران ضرب مواقع تضم وجوداً أو بعثات أمريكية؟ يقدّم الضيف تفسيراً يقوم على فكرة أن النظام الإيراني يستخدم الضغط على العواصم الخليجية كورقة للتأثير على واشنطن، عبر خلق معادلة مفادها أنّ استمرار الحرب أو التصعيد سيدفع هذه الدول إلى مطالبة الولايات المتحدة بكبح ضربات تستهدف إيران مقابل تخفيف الهجمات على الجوار الخليجي. من هذا المنظور، يصبح قصف منشآت أو أجواء دول عربية رسالة مزدوجة: ردع إقليمي ورسالة تفاوضية غير مباشرة إلى القوى الغربية.

في المقابل، يصرّ الضيف على أن أخطر ما في هذه الاستراتيجية ليس بعدها العسكري فحسب، بل بنيتها الذهنية؛ إذ يعتبر أن منطق “إذا سقطنا سيسقط الجميع معنا” يحوّل أمن المنطقة إلى رهينة لنخبة دينية حاكمة تمتلك تصوراً رسالياً عن دورها، ما يفتح الباب أمام خيارات قصوى حين تشعر هذه النخبة بأن بقائها مهدّد. في هذه القراءة، لا يعود استخدام الصواريخ مجرد أداة ضغط عابرة، بل تجسيداً لعقيدة سياسية ترى في تدمير المحيط احتمالاً مقبولاً إذا كان ثمنه منع سقوط السلطة في طهران.

اللافت في المقابلة هو الإصرار على عقد مقارنة حادة بين نموذج الحكم في إيران ونموذج الحكم في الإمارات، حيث يُقدَّم قادة أبوظبي ودبي بوصفهم مثالاً لقيادة “مسلمة” تضع التنمية، والتكنولوجيا، واستكشاف الفضاء، والتسامح الديني في صدارة أولوياتها. تُستدعى هنا تجارب مثل إطلاق “مسبار الأمل” إلى المريخ، ومشاريع “وزارة السعادة”، ومبادرات “بيت العائلة الإبراهيمية” التي تجمع مسجداً وكنيسة وكنيساً في حيز معماري واحد، باعتبارها تجسيداً لرؤية دينية مختلفة ترى في التعايش والتخطيط طويل الأمد قاعدة للاستقرار، لا تهديداً له.

وتتجاوز المقابلة حدود انتقاد طهران إلى تناول دول أخرى، مثل قطر، عبر مفارقة بين حضورها الاستثماري العالمي وصورتها السياسية في الملفات المرتبطة بـ“الإسلام السياسي” وتمويل البنى التحتية الدينية في أوروبا. غير أنّ جوهر الطرح يبقى متركزاً على تصنيف دول المنطقة بين “لاعبين” قادرين على تشكيل المعادلات الإقليمية، و“محاور” تتحرك ضمن هوامش رسمها هؤلاء اللاعبون. في هذا التصنيف، توضع السعودية والإمارات في خانة القوى المقرِّرة، فيما تُقدَّم دول أخرى بوصفها كيانات تتكيّف مع إيقاع الجوار أكثر مما تصنعه.

وتمنح المقابلة حيّزاً واسعاً للحديث عن الداخل الإيراني، من أوضاع النساء إلى أوضاع النخب العلمية والمهنية، مع تصوير البلاد كمخزون كبير من الكفاءات المعطّلة بفعل بنية الحكم، وكأن تحوّل النظام أو سقوطه المفترض شرط لازم لتحرير طاقات العلماء والأطباء والمهندسين والفنانين. في هذا التصوير، تصبح حرية المرأة الإيرانية وحق المواطن في اختيار قيادته السياسية نقطتين مركزيتين ليس فقط لمستقبل إيران، بل لمعادلة التوازن في الخليج والعالم أيضاً، بحكم ما يمكن أن تضيفه إيران مختلفة إلى الاقتصاد العالمي وسلاسل الإبداع العلمي.



من خلال هذا كله، ترسم المقابلة صورة حادّة الاستقطاب للمنطقة: سلطة دينية مسلّحة بصواريخ وبنية عابرة للحدود من جهة، ونماذج دولية – خليجية خاصة – تراهن على الاستثمار والانفتاح والتحالفات العابرة للأديان من جهة أخرى. وبين الطرفين، يبقى سؤال جوهري مفتوحاً حول قدرة المنظومة الدولية والإقليمية على احتواء منطق “التفويض الإلهي” حين يتحوّل إلى أداة صريحة في إدارة الصراع بالقذائف والطائرات المسيّرة فوق مدن مأهولة في الخليج والشرق الأوسط.