ثلاثون عاماً بعد تبحيرين: إرث حوار روحي مع الإسلام

أضيف بتاريخ 03/23/2026
عبر صحيفة لاكروا الفرنسية

قبل ثلاثين عاماً، في ليلة السابع والعشرين من مارس 1996، خُطف سبعة من رهبان دير سيدة الأطلس في تبحيرين، على مرتفعات المتيجة الجزائرية، على يد جماعة مسلحة. ذلك كان خلال سنوات ما عُرف بالعشرية السوداء التي حصدت مئات الآلاف من الضحايا المدنيين بين عامي 1992 و2002. بعد أسابيع، أُعلن عن مقتلهم في بيان نُسب إلى الجماعة الإسلامية المسلحة. كانت تلك واحدة من أكثر القضايا التي ظلت حاضرة في الذاكرة الدينية والسياسية في الجزائر وفرنسا على السواء. منذ ذلك التاريخ، لم يبق حضور الرهبان محصوراً في سجل العنف السياسي. تحوّل مسار حياة رئيس الدير، الراهب الترابيست كريستيان دو شرجِه، إلى مرجع روحي وفكري لمن يفكر في معنى العيش المشترك والحوار بين المسيحيين والمسلمين في الفضاء المتوسطي والعالمي.



تشكل علاقة كريستيان دو شرجِه المبكرة مع الجزائر والإسلام خلفية أساسية لفهم اختياره العيش في دير صغير معزول بين القرى والجبال. فقد عرف الطفل الجزائر خلال مهمة عسكرية لوالده في الأربعينيات، ثم عاد إليها شاباً مجنداً خلال حرب الاستقلال أواخر الخمسينيات، حيث نشأت صداقته الحاسمة مع محمد، الموظف القروي البسيط الذي حماه في إحدى المواجهات المسلحة ودفع حياته ثمناً لذلك بعد اغتياله على يد مسلحين. هذه التجربة ستصبح، في نظر كريستيان، علامة روحية تؤسس لقراءة مغايرة لعلاقة المسيحي بالإسلام، إذ رأى في تضحية محمد صورة لمعنى البذل حتى الموت الذي ينسبه التقليد المسيحي إلى المسيح نفسه، الأمر الذي قاده إلى الاقتناع بأن الإيمان المسلم يمكن أن يكون موضع عمل نعمة إلهية لا تقل جدية عن إيمان المسيحي.

من هذا المنطلق، نشأت لدى كريستيان دو شرجِه قناعة بأن المؤمنين من المسيحيين والمسلمين واليهود مدعوون إلى مصير واحد في ما يسمّيه اللاهوت الكاثوليكي «شركة القديسين»، أي ذلك الأفق الذي يجتمع فيه المؤمنون في حضرة الله بعد الموت. هذا اليقين لم يبق فكرة نظرية، بل صار قوة دافعة لطريقة عيشه اليومية في الدير، من خلال رغبته الدائمة في أن تكون حياة الجماعة الرهبانية منفتحة على محيطها المسلم، وأن تُفهم الصلاة المسيحية كجزء من نَفَس روحي أوسع يضم أصوات المصلين في المساجد المحيطة وطقوسهم في الصوم والذكر. ومن هنا جاء مفهومه الخاص للحوار، لا بوصفه نقاشاً عقائدياً يهدف إلى التغلب على الآخر، بل كمشاركة وجودية في الرجاء نفسه أمام الله.

اختار الراهب الفرنسي مساراً غير مألوف داخل الكنيسة الكاثوليكية في زمنه. بعد رسامته كاهناً في باريس منتصف الستينيات وتعيينه في موقع مرموق بكنيسة القلب الأقدس في مونمارتر، قرر في مطلع السبعينيات الانسحاب إلى الحياة الرهبانية في جبال الأطلس الجزائرية ليتفرغ للصلاة والعمل اليدوي وسط محيط قروي مسلم. غير أن هذه الحياة الانعزالية في ظاهرها لم تكن تعني عنده الانفصال عن المجتمع. بل بالعكس، فقد سعى إلى أن يكون الدير فضاء لقاء يومي مع الجيران، عبر استقبال المرضى عند الطبيب الراهب، ومشاركة السكان همومهم الاقتصادية، واستضافة الزوار من مختلف الاتجاهات. هذا الاحتكاك المتواصل نسج شبكة من العلاقات الهادئة والمتينة بين الرهبان وسكان القرى، بحيث أصبح وجود الدير بالنسبة لكثير من الأهالي علامة استقرار معنوي وإنساني في زمن الفوضى السياسية.

في أواخر السبعينيات، تأسس «رِباط السلام» في هذا السياق. وهو تجمع دوري صغير يجمع مسلمين متصوفة من الطريقة العلاوية مع عدد من المسيحيين، بينهم كريستيان دو شرجِه، للحديث والصلاة والانصات في أجواء من السكون. لم يكن الهدف المعلن لهذا اللقاء المتكرر مناقشة العقائد، بل ترك مساحة لما كانوا يسمونه «عملاً إلهياً جديداً» ينشأ في ما بين الأفراد عندما يقبلون الجلوس معاً في صمت، حول شمعة واحدة، لبعض الوقت، دون محاولة إقناع أحد أو إثبات صحة مذهب على حساب آخر. هذا الشكل من الحوار يعكس رؤية دو شرجِه بأن الطريق إلى الله لا يُختزل في مسار ديني واحد، وأن تعدد التقاليد يمكن أن يكون حافزاً لتعمق كل مؤمن في تراثه، من خلال احتكاكه باختبار الآخر المختلف في الصلاة والذكر وقراءة النصوص المقدسة.

على المستوى اللاهوتي، سعى كريستيان دو شرجِه إلى تقديم نظرية مغلقة عن مكانة الإسلام في تدبير الله للعالم. ورغم دراسته المتخصصة للغة العربية والعلوم الإسلامية في معهد بابوي بروما، ومعرفته الدقيقة بالقرآن والتفسير، فضل أن يبقي السؤال مفتوحاً حول السبب العميق لوجود دين آخر يدّعي الانتماء إلى الوحي الإلهي. واعتبر أن هذا السؤال نفسه قادر على حفظ تواضع المؤمن المسيحي ومنعه من حصر الله في تصوّره الخاص أو في حدود كنيسته. هذا التردد المنهجي لم يكن علامة شك، بل تعبيراً عن قناعة بأن الحقيقة الإلهية أوسع من الصياغات العقائدية، وأن المؤمن مدعو إلى ترك فسحة لما يمكن أن يكشفه الله للآخرين عبر مسارات غير متوقعة.

في مستوى الممارسة، اشترط دو شرجِه للحوار أن يكون مجانياً وغير مشروط. أي ألا يرتبط بمبدأ المعاملة بالمثل أو بحسابات النفوذ الاجتماعي أو السياسي. كان يرفض منطق «نمنح إذا منحنا الآخر» ويرى في سلوك المسيح نموذجاً لعطاء لا ينتظر مقابلاً. الأمر الذي يفرض على المسيحي الذهاب نحو جاره المسلم دون اشتراط رد فعل محدد ولا استخدام الحوار كغطاء لاستقطاب أو تبشير مباشر. هذا التصور جعل بعض معاصريه يصفونه بالمثالية أو السذاجة، خاصة في ظل تصاعد العنف المسلح في الجزائر في التسعينيات. لكنه كان يعتبر أن منطق الإنجيل لا ينفصل عن المخاطرة، وأن الخوف من الخسارة لا يجوز أن يحكم المبادرات الروحية والإنسانية.

في وصيته التي كُشف عنها غداة إعلان مقتل الرهبان، كتب كريستيان دو شرجِه نصاً يتخيل فيه نظرته إلى المسلمين «من عند الله» بعد موته. حيث يعبّر عن رغبته في أن يراهم كما يراهم الله، محاطين بنور المسيح، دون أن يُستعمل موته ذريعة لاتهام الشعب الجزائري أو الإسلام برمته. يحضر في هذه السطور نوع من الحذر من تحويل الشهادة إلى أداة صراع هوياتي، إذ يصر على أنه مدين لما تلقاه من هذا البلد وهذه الديانة في مسار تكوينه الروحي والإنساني، وأنه لم يأت ليعطي فقط، بل أيضاً ليتعلم ويتحوّل بفضل ما يراه من إيمان الآخرين. هنا تتجلى إحدى خصائص مشروعه: قلب معادلة القوة الرمزية لصالح علاقة تبادل بين أقلية مسيحية صغيرة وأغلبية مسلمة واسعة، خارج أي منطق حماية أو وصاية.

تتحول قصته مع محمد – صديقه الأول الذي قُتل وهو يحاول حمايته، ثم لقاءاته المتكررة مع جيرانه المسلمين الذين يسألونه عن الصلاة و«البئر» المشتركة التي يحفرونها معاً – إلى صور رمزية تختزل فهمه للدين في بعده كحركة جماعية نحو مصدر واحد، ولو عبر قنوات مختلفة. الصورة التي يقدّمها حواره مع أحد جيرانه عن الماء الموجود في عمق البئر، لا كماء «مسيحي» أو «مسلم» بل كماء لله، تعبّر ببلاغة عن قناعته بأن لا تقليد واحداً يملك وحده القدرة على الإحاطة بسر الإله، وأن الحاجة إلى الآخر جزء من بنية الإيمان نفسه، لا مجرد خيار ثقافي أو سياسي. في هذا المعنى، يتحول الاختلاف العقائدي، بما فيه من تباينات حول شخص المسيح أو طبيعة الوحي، من عائق لاهوتي إلى مجال للتنافس في الاقتراب من العدالة والرحمة، كما عبّر عن ذلك أحد المشاركين المسلمين في «رباط السلام» عندما رأى في كشف الاختلاف حافزاً لمزيد من الرحمة المتبادلة.

بعد مرور ثلاثة عقود على خطف وقتل رهبان تبحيرين، بقيت الملابسات السياسية والأمنية النهائية لما حدث موضع نقاش. لكن المسار الروحي والفكري الذي رسمه كريستيان دو شرجِه اكتسب حضوراً متزايداً في النقاشات حول مستقبل العلاقات بين المسيحيين والمسلمين، خاصة في الفضاء الأوروبي – المغاربي حيث تتداخل الذاكرات الاستعمارية مع أسئلة المواطنة والهجرة والهوية. في مواجهة خطاب الصدام الحضاري الذي يربط التعدد الديني بالأمن والتهديد، يقدم هذا التراث تجربة أخرى يعتبر فيها الاحتكاك اليومي، والضيافة المتبادلة، والصلاة المجاورة، عناصر تكوين لا تقل أهمية عن النصوص والمؤسسات. ويصبح فيها الحوار، في جوهره، ممارسة للحياة المشتركة أكثر مما هو مشروع خطاب نظري أو برنامج سياسي.

المصدر