شهدت العاصمة الإيطالية روما احتفالات رسمية بالذكرى الخمسين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين المملكة المغربية والكرسي الرسولي، تحولت خلالها المناسبة إلى محطة تأمل في المسار الطويل من التفاهم المتدرج بين الجانبين. فقد أشاد أمين سر دولة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين بالدور الذي يضطلع به الملك محمد السادس، بصفته أمير المؤمنين، في ترسيخ قيم الحوار بين الأديان، وإبراز نموذج الإسلام المعتدل بوصفه ركيزة لخدمة السلم الدولي. وأكد أن هذه العلاقة العريقة بين الرباط والفاتيكان تستمد عمقها من تتابع الزيارات المتبادلة والمبادرات المشتركة التي منحتها زخماً إضافياً وأنتجت درجة من الثبات والجدية في الحوار الثنائي، مما سمح بفتح آفاق جديدة لتعاون يقوم على قيم التفاهم والعيش المشترك.
توقف الكاردينال بارولين عند الأبعاد الفكرية والدبلوماسية التي تميز هذا التعاون، مبرزاً أن اختياره عضواً شرفياً في أكاديمية المملكة المغربية يعكس مستوى من الثقة المتبادلة يتيح تطوير شراكة معرفية وروحية طويلة المدى. وربط بين هذا التكريم وخصوصية التجربتين الدبلوماسيتين للمغرب والفاتيكان اللتين تميلان معاً إلى اعتماد الوساطة وتغليب سبل الوقاية في التدبير الهادئ للأزمات، إلى جانب عملهما على ترسيخ منظومة الحريات الدينية والإنسانية. ودعا إلى الانتقال من مستوى الخطاب النظري إلى بناء تعاون عملي منظم في مجال الحوار بين الأديان، من خلال عقد لقاءات رفيعة المستوى تضم رجال دين وباحثين وفلاسفة من الطرفين، وصوغ برامج مشتركة لتأهيل جيل جديد من القيادات الدينية الشابة القادرة على التعامل مع تحديات العصر وما يرتبط بها من صور نمطية أو سوء فهم متبادل بين الثقافات.
كما اقترح المسؤول الفاتيكاني توسيع نطاق المبادرات المشتركة لتشمل مشاريع إنسانية في إفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط، مستندة إلى حضور الميدان الواسع للكنيسة الكاثوليكية ولمؤسسات دينية مغربية فاعلة في القارة. ورأى أن الاستثمار في التربية على السلام، في أبعادها الدينية والمدنية، يشكل ركيزة أساسية لإرساء قيم التسامح عبر مناهج تعليمية وبرامج تكوينية تستهدف فئات مختلفة، خصوصاً الشباب. أما على مستوى العمل الدولي المتعدد الأطراف، فقد شدد على أهمية تنسيق المواقف بين الرباط والكرسي الرسولي داخل المنظمات الأممية بشأن قضايا تتجاوز الحدود، مثل الهجرة وتغير المناخ ونزع السلاح ومحاربة الفقر، لما تمثله من ميادين يلتقي فيها البعد الأخلاقي المنبثق من المرجعيات الروحية مع آليات الدبلوماسية الحديثة.
واعتبر بارولين أن الحوار بين الأديان تحول اليوم إلى ضرورة استراتيجية لحماية السلم والكرامة الإنسانية في ظل ما يشهده العالم من انقسامات عميقة وتفكك اجتماعي متزايد، مشيراً إلى أن الطريق الممكن لتجاوز ذلك يكمن في حوارات جريئة ومنفتحة وبناءة تجمع بين الدول والثقافات، وبخاصة بين المؤمنين المنتمين إلى ديانات متعددة، سعياً لإيجاد أرضية مشتركة تُبقي جسور التواصل قائمة وتحدّ من التوتر.
وخلال الندوة ذاتها، عبّر مستشار الملك أندري أزولاي عن تقديره لهذه المناسبة التي رأى فيها فرصة تاريخية لقياس التحول الذي بلغته العلاقات بين المغرب والفاتيكان. وأكد، في كلمته بالجامعة الغريغورية في روما، أن المغرب يجسد بوعي وثبات نموذجاً فريداً في احترام تعدد الانتماءات الروحية واستثمارها في ما يجمع البشر بدل ما يفرقهم، مبرزاً أن قيادة الملك محمد السادس أرست في فضاء الإسلام رؤية تجعل من الاختلاف والتنوع جزءاً من جوهر القداسة لا نقيضاً لها. وفي إشارة رمزية، كشف أزولاي أن صناعاً تقليديين من مدينة الصويرة أهدوا إلى مدينة إشبيلية صليباً من خشب العرعار سيزين مواكب عيد الفصح المقبلة، وهي مبادرة لقيت تصفيقاً حاراً لما تحمله من دلالات إنسانية تتجاوز حدود العقيدة إلى فضاء القيم المشتركة.
بهذا الطابع، بدت الاحتفالات في روما تتويجاً لمسار من العمل الدبلوماسي الهادئ الذي يوظف الرمزية الدينية كأداة لإنتاج طاقة سلام جديدة بين الشرق والغرب، مؤكدةً أن المغرب بات يحتل موقعاً مركزياً في منظومة الحوار الديني العالمي بما يتيحه من نموذج عملي للتعايش والانفتاح المتبادل.



