تستعيد مؤسسة وازيس الدولية، بالتعاون مع دار النشر الفاتيكانية، مسار مجموعة من الرهبان والراهبات الكاثوليك الذين قُتلوا في الجزائر خلال التسعينيات، من خلال معرض يحمل عنوان «مدعوون مرتين. شهداء الجزائر» يحتضنه لقاء ريميني للصداقة بين الشعوب في مدينة ريميني الإيطالية بين 22 و27 غشت، في صيغة تسعى إلى إعادة تركيب تجربة دينية وإنسانية تشكلت في قلب ما عُرف بالعشرية السوداء في هذا البلد المغاربي. يربط المعرض بين السير الفردية لهؤلاء وبين السياق الجزائري العام، حيث خلف العنف المسلح آنذاك نحو مائة وخمسين ألف قتيل، من بينهم أئمة وعلماء دين مسلمون رفضوا تبرير اللجوء إلى السلاح، إلى جانب مواطنين جزائريين وأجانب كانوا يقيمون في البلاد.
يركز المسار المعروض على تسعة عشر راهبا وراهبة قُتلوا بين عامي 1994 و1996، جرى إعلانهم «طوباويين» في احتفال كنسي في مدينة وهران عام 2018، في إشارة إلى الاعتراف الكاثوليكي الرسمي بشهادتهم. تبدأ السلسلة بسيدة من راهبات «الصغيرات أخوات الافتراض» هي الأخت بول-هيلين سان-رايمون التي اغتيلت داخل مكتبة مخصصة للشباب في حي القصبة بالعاصمة الجزائرية، وتنتهي بأسقف هو بطرس كلاﭬـري، أسقف وهران، الذي قُتل في تفجير استهدفه مع سائقه وصديقه الجزائري المسلم محمد بوشيخي. وقد أضفى الفيلم الفرنسي «رجال وآلهة» للمخرج ﭬييار بوفوا، الصادر عام 2010، بعدا عالميا لحكاية رهبان دير تيبحيرين السبعة المنتمين إلى هذه المجموعة، عبر تناول يومياتهم واختيارهم البقاء في الريف الجزائري رغم تصاعد التهديدات.
ينطلق المعرض من فكرة أن هؤلاء الرهبان والراهبات اختاروا «البقاء مهما كان الثمن» في بيئة ذات أغلبية مسلمة، وأن حياتهم اليومية لم تكن مجرد حضور رمزي بل مشاركة فعلية في نسيج اجتماعي محلي تشكل من خلال المدرسة ومراكز التكوين المهني والمكتبات ورياض الأطفال والمستوصفات. يقدم المعرض وثائق مكتوبة وصورا وأشرطة مصورة وأشياء شخصية جُمعت من روما وباريس ونورماندي وليون وتونس والجزائر، في محاولة لإعادة تشكيل عالمهم الداخلي وعلاقاتهم مع محيطهم الجزائري، بما في ذلك انخراطهم في أعمال خدمة للفئات الهشة، ومرافقة المرضى، والعمل إلى جانب النساء في تعلم حرف بسيطة مثل الخياطة، إلى جانب دفاعهم المعلن عن حرية المعتقد بوصفها حقا للجميع، مسلمين ومسيحيين على السواء.
يتوقف الخط السردي للمعرض عند مفهوم «الدعوة المزدوجة» المنسوب إلى هؤلاء، كما يشرحه الراهب توما جورجون، المكلف بمتابعة ملف تطويبهم، إذ يعتبر أن ما يجمعهم هو «اختيار الوفاء» على مستويين: أولا لعيسى المسيح بحسب الإيمان الكاثوليكي، ثم للقاء مع الآخر المختلف دينيا وثقافيا. يتحول هذا اللقاء في قراءته إلى محور أساسي في حياتهم، بحيث يصبح هؤلاء «شهداء للغيرية» لأنهم قبلوا أن يعيشوا علاقة طويلة الأمد مع مجتمع مغاير لهم، وأن يمضوا فيها حتى نهايتها، بما في ذلك احتمال القتل. يستعيد المعرض كذلك ما وصفه رئيس دير تيبحيرين الراحل، كريستيان دو شرجي، بصورة ديره بوصفه «جزيرة سيسترسية في محيط إسلامي»، في إشارة إلى هشاشة حضور جماعته ورغبته في أن يتخذ هذا الهامش مكانا للحوار الروحي لا للمواجهة.
يحظى «وصية» دو شرجي الروحية بموقع محوري في المادة المعروضة، إذ ينظر إليها الكاردينال أنجلو سكولا، مؤسس مؤسسة وازيس، في كتابه الأخير «في انتظار بداية جديدة» على أنها نص يعبر بلهجة شعرية، مع خلفية لاهوتية، عن اهتمام بالإسلام تشكل لديه عبر مساره الشخصي. يرى سكولا في هذا النص محاولة لطرح سؤال لاهوتي حول مغزى وجود عدد كبير من المسلمين في العالم المعاصر، وما إذا كان ذلك يفتح إمكانات جديدة لتحول داخلي في التجربة المسيحية ذاتها عبر الانفتاح على حوار ديني حقيقي. بهذا المعنى يتجاوز الاهتمام بشهداء الجزائر سطحية السرديات المأساوية، ويتجه إلى قراءة اختياراتهم باعتبارها تجربة لعيش الحوار بين الأديان ضمن شروط ملموسة، لا في إطار نظري فقط.
يحرص القائمون على المعرض على إبراز أن هؤلاء التسعة عشر لا يمكن فهم مسارهم بمعزل عن آلاف الضحايا الآخرين في الجزائر خلال التسعينيات، ومن بينهم أئمة مسلمون عارضوا توظيف النص الديني في تبرير العنف، كما يذكر الكاردينال جان-بول ڤيسكو، رئيس أساقفة الجزائر الحالي. في هذا التصور يصبح «الاستشهاد» مفهوما مشتركا يتجاوز الحدود الطائفية، ويتعلق بالاختيار الحر لمشاركة مصير السكان المحليين وعدم الانسحاب إلى فضاء الحماية الذي كان في متناول هؤلاء الرهبان والراهبات لو قرروا مغادرة البلاد. يقرأ المعرض هذا الاختيار بوصفه تعبيرا عن رغبة في عدم التخلي عن مجتمع ارتبطوا به عشرات السنين من خلال العمل اليومي والصداقة والعلاقات الروحية، حتى وإن كان ذلك يعني مواجهة احتمال الموت.
من خلال هذا البناء، يقدم المعرض رواية متشابكة عن العنف والإيمان والحوار في الجزائر خلال عقد مضطرب، ويعيد طرح أسئلة حول معنى البقاء في فضاء مهدد ومستقبل العلاقة بين الأقليات المسيحية والمجتمعات ذات الأغلبية المسلمة في حوض المتوسط. كما يفتح المجال أمام قراءة مختلفة لتجربة «العقد الأسود» الجزائري، لا بوصفه مرحلة مواجهة أحادية بين تنظيمات مسلحة والدولة فحسب، بل أيضا فترة تشكلت فيها أشكال متعددة من التضامن الصامت بين مسلمين ومسيحيين، ومن بينها قصص هؤلاء التسعة عشر الذين اختاروا أن يحملوا عبارة «مدعوون مرتين» حتى اللحظة الأخيرة من حياتهم.



