أندريه أزولاي يقرأ في روما خمسين عامًا من الدبلوماسية الروحية بين المغرب والكرسي الرسولي

أضيف بتاريخ 03/28/2026
دار سُبْحة

قدّم مستشار العاهل المغربي الملك محمد السادس، أندريه أزولاي، في لقاء عقد في الفاتيكان بمناسبة الاحتفاء بالذكرى الخمسين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين المملكة المغربية والكرسي الرسولي، قراءة واسعة لمسار هذه العلاقة وما تراكم حولها من رصيد روحي ودبلوماسي، مؤكّدًا أن هذا الاحتفاء لا يقتصر على كونه محطة زمنية في التقويم، بل يمثل لحظة فارقة لاستيعاب عمق التحول الذي شهدته هذه الصلة الثنائية عبر العقود. وجاءت كلمة أزولاي في إطار تظاهرة احتضنتها الجامعة الغريغورية في روما، التي تعود جذورها إلى ما يقرب من خمسة قرون، بحضور الكاردينال بيترو بارولان، أمين سر دولة الكرسي الرسولي، وسفيرة المغرب لدى الفاتيكان والهيئة السيادية لمالطا رجاء ناجي مكاوي، وحشد من الفاعلين الدينيين والدبلوماسيين.



استهل مستشار الملك مداخلته بالتوقف عند لقائه قبيل انطلاق الاحتفالية مع البابا ليون الرابع عشر، منوهًا بما وصفه بدينامية خاصة تطبع العلاقات بين المغرب والكرسي الرسولي، وبقرب إنساني وروحي يميز التواصل بين الجانبين. ونقل أزولاي عن الحبر الأعظم إشادته بالعاهل المغربي وبطبيعة الرسالة التي تحملها مؤسسة إمارة المؤمنين، معتبرًا أن ما يربط الرباط بالفاتيكان يتجاوز القنوات الدبلوماسية التقليدية ليشمل رؤية متراكمة للحوار بين الأديان وحماية الحساسيات الروحية داخل الفضاء المتوسطي وما حوله.

وفي عرضه أمام الحضور، دعا أزولاي إلى إعادة اكتشاف المغرب من خلال موقعه التاريخي في التفاعل مع الديانات الإبراهيمية، مبرزًا أن المملكة تقدم، في نظره، نموذجًا لدولة ذات أغلبية مسلمة تسعى إلى إدارة تنوعها الروحي من خلال قراءة هادئة للتقاليد الدينية، واستثمار هذا الرصيد في خدمة ما يجمع بين المؤمنين بدل ما يفرقهم. وتوقف عند المسار الطويل للعلاقات بين المغرب والكرسي الرسولي، الذي تعود جذوره الأولى إلى القرن التاسع عشر قبل أن يتخذ شكله الدبلوماسي الرسمي في سبعينيات القرن الماضي، مستشهدًا بمحطات متتالية، من افتتاح التمثيل البابوي في الرباط إلى زيارة البابا فرنسيس للمغرب في ربيع 2019.

واعتمد المستشار في مقاربته على فكرة مركزية مفادها أن النظر إلى الآخر بحمولته الدينية والثقافية لا يعد تهديدًا للمقدس، وإنما يشكل تمكينًا له، معتبرًا أن الاعتراف بشرعية الاختلاف والتنوع هو الشرط الأول لأي عيش مشترك مستقر. وأوضح أن التجربة المغربية، تحت قيادة الملك محمد السادس، تنطلق من تصور يعتبر أن حماية حرية المعتقد داخل المجتمع لا تنفصل عن صون التوازن الداخلي في المنظومة الدينية نفسها، في إشارة إلى دور إمارة المؤمنين في ضمان هذا التوازن عبر سياسات متعددة، من تكوين الأئمة إلى العناية بدور العبادة غير المسلمة.

وتوقف أزولاي عند ما وصفه برهانات مرحلة يتصاعد فيها خطاب الانغلاق في غير منطقة من العالم، مذكّرًا بأن خطاب الصدام الحضاري يجد في توتر العلاقات بين الأديان مادة خصبة، وأن مسؤولية الدول ذات المرجعية الدينية الواضحة، مثل المغرب والكرسي الرسولي، تتمثل في تقديم بدائل عملية لهذا المنطق. واعتبر أن التعاون بين الدبلوماسيتين المغربية والفاتيكانية في ملفات الحوار الروحي، بمن في ذلك الانخراط المشترك في مبادرات تتعلق بالهجرة وحماية الفئات الهشة، يمثل واجهة ملموسة لهذا الاختيار، ويمنح للاحتفاء بالذكرى الخمسين بعدًا عمليًا يتجاوز اللغة الرمزية.

و انتقل مستشار الملك إلى استحضار رمز فني آتٍ من مدينة الصويرة، حيث قام حرفيون مغاربة بإهداء صليب يزيد طوله عن مترين إلى كاتدرائية خيرالدا في مدينة إشبيلية الإسبانية، مصنوع من خشب العرعار والصدف، تم اعتماده في افتتاح المواكب الدينية الممهدة لعيد الفصح هذا العام. وقدم أزولاي هذا العمل كإشارة إلى إمكانية أن تسهم الحرف التقليدية المغربية في بناء جسور رمزية مع الفضاء المسيحي المتوسطي، ملاحظًا أن التفاعل الإيجابي الذي حظي به هذا الصليب من قبل الحضور الإسباني يعكس استعدادًا متجددًا لقراءة الرموز المشتركة بين ضفتي المتوسط بروح قريبة من روح الحوار التي تسعى الرباط والفاتيكان إلى ترسيخها.