‎توترات الدين والدولة والعلم في أزماتنا المعاصرة مع أشرف منصور

أضيف بتاريخ 04/10/2026
دار سُبْحة

يقدّم حوار مطوّل مع أستاذ الفلسفة المصري أشرف منصور في برنامج بودكاست سرديات على منصة مجتمع محاولة تفسير متشابكة لجذور الأزمات الثقافية والسياسية في العالم العربي والإسلامي، من خلال تفكيك العلاقات المضطربة بين الدين والدولة والعلم والحداثة والاستعمار القديم والجديد، وربطها بتاريخ طويل من الانقطاع عن مشاريع الإصلاح والتحديث التي بقيت في مستوى الدولة ولم تنفذ إلى بنية المجتمع التقليدية العميقة. ينطلق منصور من سؤال محوري: هل نحن أمام شعوب قابلة بطبيعتها للاستبداد، أم أمام تفاعل معقد بين تراث سلطوي قديم وبنى حديثة غير مكتملة، تستدعي قراءة تاريخية وفلسفية تتجاوز التبسيط الثقافوي أو الاختزال السياسي.



يضع منصور في البداية ما يسميه «سردية الاستبداد الشرقي» في سياق نقدي، مذكّرا بأن الاستبداد لا يمكن ربطه بجغرافيا الشرق وحدها، مستشهدا بالنقاشات التي عرفها الفكر الألماني حول الشخصية السلطوية وصعود النازية، ليبيّن أن المجتمعات قادرة على تغيير بنيتها السلطوية مع تحوّل الأجيال والمؤسسات، وأن أي حديث عن حتمية استبداد شرقي يغفل إمكانية التحول التاريخي كما حدث في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية. ومع ذلك فهو يشير إلى أن العالم العربي يعيش مفارقة خاصة، إذ تتجاور فيه تاريخيا دول نهرية مركزية تعيد إنتاج أنماط من التحكم البيروقراطي، مع مجتمعات قبلية وصحراوية تنتج أشكالا مغايرة من العصبيات، ما يضاعف تعقيد العلاقة بين البنية الاجتماعية ونمط السلطة.

في قراءته لعلاقة العالم العربي بالحداثة، يعود منصور إلى التراث الفلسفي الإسلامي، معتبرا أن الجذر الأشد اتصالا بما يسمى اليوم بالحداثة لا يوجد في الفقه أو الكلام التقليدي بل في الفلسفة الإسلامية العقلانية من الكندي والفارابي وابن سينا إلى ابن رشد، إضافة إلى تيارات كلامية عقلانية مثل المعتزلة، حيث جرى التعامل مع النص الديني بوصفه قابلا للتأويل المجازي والعقلاني، وتُصوِّر الطبيعة كحقل منتظم تحكمه قوانين تعكس إرادة إلهية لا تلغي انتظام العالم ولا تحيله إلى مجال المعجزة الدائمة. غير أن هذا المسار الفكري الذي استفادت منه أوروبا في أواخر العصور الوسطى وعصر النهضة، كما يذهب منصور، انقطع في العالم الإسلامي بعد القرون الوسطى مع الانهيار السياسي والعسكري وغزوات التتار وما تلاها من تراجع حضاري طويل، فتوقف تطور الفلسفة العقلانية لصالح هيمنة قراءة تقليدية للنصوص وانغلاق في بنى اجتماعية محافظة.

يربط منصور الأزمة الراهنة بما يسميه عدم مشاركة المجتمعات الإسلامية في إنتاج الحداثة نفسها، إذ يعتبر أن الحداثة نشأت في أوروبا عبر سلسلة من التحولات الكبرى: الإصلاح الديني، عصر النهضة، التنوير، الثورة العلمية والوضعيّة، بينما لم يعرف العالم العربي والإسلامي تحولات موازية في اللحظة ذاتها، بل تلقّى الحداثة في شكل تقنيات ومؤسسات مستوردة دون أن يكون شريكا في وضع أسسها الفكرية والعلمية. لذلك ترسّخت نظرة إلى العلم والحداثة بوصفهما منتجا غربيا أو «غزوا ثقافيا»، مقابل تراث ديني يقدّم داخل المجتمع كمصدر كافٍ للمعنى والمعرفة، ما عمّق الفصل النفسي والثقافي بين العلم والدين وكرّس خصومة مع المناهج العلمية الحديثة تُترجم بنزعة إلى الاحتماء بالخرافة أو القراءة الحرفية للنصوص كلما لامس النقاش مسائل علمية مثل نظرية التطور.

في قراءته لمشاريع الإصلاح والنهضة في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، يشير منصور إلى أن رواد الإصلاح اتجهوا أساسا إلى الدولة باعتبارها القوة الوحيدة القادرة على مواجهة المؤسسة الدينية الرسمية التي احتكرت تعريف الدين ورفضت أي تأويل جديد للنصوص، فأصبح التحديث مشروع دولة يطال الجهاز الإداري والجيش والتعليم والفضاء المدني من أعلى، دون أن يتغلغل في بنية المجتمع التقليدية التي بقيت محافظة في قيمها وعلاقاتها وعقلياتها. ومع الهجمة الاستعمارية على البلدان العربية والإسلامية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين تعطلت كثير من هذه المشاريع الإصلاحية، وبرزت ازدواجية حادة بين دولة حديثة شكلا ومجتمع تقليدي عميقا، حيث أقيمت الدساتير والبرلمانات والجامعات والبنى التحتية الحديثة، في حين ظلت الذهنيات وأنماط العيش تتحرك في إطار تراثي، فدخلت المنطقة في مسار طويل من «تحديث فوقي» يثير مقاومة متكررة من تيارات دينية ومحافظة.

من زاوية السلطة، يركز منصور على ما يسميه «ازدواجية السيادة» في المجتمعات العربية والإسلامية، معتمدا على قراءة في كتاب أبي المعالي الجويني «غياث الأمم في التياث الظلم» الذي يعده تأسيسا مبكرا لما يشبه ولاية الفقيه السنية، حيث يمنح الفقيه سلطة سياسية موازية لسلطة الخليفة، من حيث حق تعيين الحاكم وعزله وقيادة المجتمع عند غياب الإمام، إضافة إلى التحكم في الموارد من خلال جمع الزكاة وتوزيعها. هذه البنية التاريخية، في رأيه، جعلت الفقيه يمارس سلطة على المجتمع أوسع من سلطة الدولة على جهازها البيروقراطي، إذ يتدخل في تفاصيل الحياة اليومية للمؤمنين، في ما يشبه ما يسميه ميشيل فوكو السياسات الصغرى، فيتكوّن حقل سلطوي دقيق يضبط الجسد والسلوك والعلاقات الخاصة، ويخلق حالة من الصدام أو التنافس الضمني بين سلطة سياسية رسمية وسلطة دينية مجتمعية تحكم الضمائر والعادات.

من هذه الزاوية ينتقد منصور بشدة فكرة تمثيل الجماعات الدينية لنفسها سياسيا عبر أحزاب طائفية، معتبرا أن منح حقوق سياسية مباشرة لجماعة دينية يفتح الباب لبناء مجتمع طائفي تتنازع فيه الأحزاب الدينية المسيحية والإسلامية واليهودية وغيرها التمثيل على أساس الهوية الدينية، في حين تقوم الدولة الحديثة على مبدأ المواطنة المتساوية بغض النظر عن الانتماء العقائدي. ويميز في هذا السياق بين الأحزاب ذات المرجعية الأخلاقية المسيحية في أوروبا التي تعمل ضمن أطر دستورية علمانية ولا تسعى إلى إقامة دولة دينية أو إلغاء التعددية، وبين الحركات الدينية في العالم العربي التي تجعل من الوصول إلى السلطة وسيلة لتغيير نظام الدولة برمته انطلاقا من شعار «الدين والدولة» أو «شمولية الشريعة».

على مستوى مفهوم العلمانية، يقدّم منصور تعريفا مختلفا عن السائد شعبيا، فيوضح أن العلمانية لا تعني إقصاء الدين من المجال العام ولا منع الشعائر، بل تعني حياد الدولة إزاء الأديان ووضع كل المؤسسات الدينية تحت سقف السيادة الشعبية، بحيث تصبح المؤسسة الدينية إحدى مؤسسات الدولة الخاضعة للقانون، لا قوة موازية لها سلطة مستقلة على المجتمع. ويرى أن الحديث عن «فصل الدين عن الدولة» بوصفه إقامة سلطتين متوازيتين في المجتمع، دينية وسياسية، يخلق ازدواجية مربكة للمواطن بين طاعة الفقيه وطاعة رجل السياسة، بينما العلمانية التي يدافع عنها تفترض أن تكون السلطة واحدة تعبر عن الإرادة العامة، مع تأكيد حرية الأفراد الكاملة في الإيمان وممارسة العبادة وضمان المساواة بين أتباع الأديان الإبراهيمية الثلاثة التي يحمل كل منها، تاريخيا، قابلية لرفض الآخرين حين تتحول إلى أيديولوجيا دولة.

في تحليل ظاهرة الإسلاموفوبيا في أوروبا، يربط منصور صعودها بعوامل اقتصادية واجتماعية تاريخية، فيذكّر بأن عدد المسلمين في أوروبا كان محدودا حتى منتصف القرن العشرين، وأن موجات الهجرة الكبرى جاءت بعد الحرب العالمية الثانية عندما احتاجت الدول الأوروبية إلى قوة عمل لتعويض الخسائر البشرية الهائلة ففتحت أبواب الهجرة أمام سكان بلدان المغرب العربي وتركيا وغيرها، ثم أضيفت موجات لاحقة في التسعينيات وبدايات القرن الحادي والعشرين بسبب الحروب الأهلية والصراعات في الشرق الأوسط وتدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية. ويشير إلى أن رأس المال الأوروبي شجع بدوره تشغيل العمالة المهاجرة غير المنظمة نقابيا لتخفيض الأجور وزيادة ساعات العمل، ما خلق أحياء مترفة ومجتمعات موازية يتركز فيها مهاجرون يعانون من التمييز، فينتجون بدورهم مجتمعات مغلقة ومنظومات تدين دفاعية، في سياق تستخدم فيه بعض القوى اليمينية خطاب «الخوف من الإسلام» لتبرير أجندات سياسية داخلية.

غير أن منصور يحمّل جزءا من المسؤولية للمسلمين في أوروبا أنفسهم حين لا يتكيفون مع التعددية الثقافية والعلمانية الغربية، فيرى أن تكوين تجمعات مغلقة يطغى عليها الشعور بالأفضلية الدينية أو استعادة وهم «خير أمة» في بيئة حضارية متقدمة علميا وصناعيا، يعمق الفاصل مع المجتمع المضيف ويغذي التوترات. لذلك يدعو إلى إدخال الفلسفة وعلم الكلام العقلاني والتصوف والمدرسة الرشدية في تعليم الأجيال المسلمة في أوروبا، بدلا من الاكتفاء بتلقين الفقه والحديث والقراءات، باعتبار أن تفعيل التراث العقلاني الإسلامي يمكن أن يشكل سبيلا داخليا لمواجهة الأصولية الدينية دون الحاجة إلى استيراد منظومات فكرية غريبة عن المرجعية التي يتبناها هؤلاء الشباب.

وعند انتقاله إلى سؤال القابلية للاستعمار والاستبداد، يستعيد منصور مفهوم مالك بن نبي حول «القابلية للاستعمار» ليؤكد أن المجتمعات العربية تقف اليوم عند ملتقى أثرين متداخلين: أثر الاستعمار القديم الذي ساهم، في رأيه، في إفشال التجارب الديمقراطية المبكرة مثل التجربة البرلمانية المصرية قبل 1952 عبر التدخل البريطاني، وأثر السلطوية المحلية التي وظفت خطاب مقاومة التدخلات الأجنبية لتبرير تشديد القبضة الأمنية وتأجيل الإصلاح السياسي. ويشير إلى أن كثيرا من الدراسات النقدية العميقة حول العنصرية الداخلية وآليات السلطة في المجتمعات العربية تُنجز اليوم في مؤسسات بحثية غربية بأقلام باحثين عرب يعيشون خارج المنطقة، ما يجعلها بعيدة عن المجال العمومي العربي، فيبقى النقاش الشعبي أسير ثنائية الدفاع عن الذات في مواجهة الاستعمار أو إلقاء اللوم الكامل على الداخل الثقافي دون رؤية القوى البنيوية التي تربط بين الاثنين.



أخيرا، يقرأ منصور ظواهر التعصب والعصبية الحديثة من خلال نظرية ابن خلدون في العصبية، معتبرا أن المفهوم لا يزال نافعا لتفسير حضور العائلات والقبائل في الريف والصعيد وفي أنماط التمثيل السياسي والاقتصادي في بلدان عربية متعددة، لكنه يلفت إلى أن الهجرات الريفية الكثيفة نحو المدن العربية منذ منتصف القرن العشرين أفرزت أشكالا جديدة من العصبية تجسدت في تكوين جماعات دينية وشبكات تضامن مغلقة داخل المدن، تعكس عجز المدينة العربية عن تمكين الوافدين الجدد من الاندماج في طبقاتها الوسطى والاستفادة من التعليم والخدمات، بسبب تخطيط عمراني غير عادل وتراتبية طبقية حادة. وهكذا تتكون داخل المدينة الحديثة مجتمعات ظل تعيد إنتاج قيم الريف المحافظ وتمنح الحركات الدينية قاعدة اجتماعية متينة، بما يجعل أزمة الحداثة في العالم العربي ليست صراعا بين «قديم» و«جديد» فحسب بل نتيجة مسار طويل من تحديث غير مكتمل ومجتمع لم يُتح له أن يعيد بناء ثقافته على أساس عقلاني يوفق بين الدين والعلم والدولة.