وهم الإله ووهم الوعي الآلي: «كلوديا» تحرج ريتشارد دوكينز

أضيف بتاريخ 05/06/2026
دار سُبْحة

أثار ريتشارد دوكينز، أحد أبرز رموز الإلحاد العلمي في العقود الأخيرة ومؤلف كتاب «وهم الإله»، جدلاً فكرياً جديداً حين أعلن، بعد ثلاثة أيام من محادثات مكثفة مع نموذج ذكاء اصطناعي من فئة النماذج اللغوية الكبرى يحمل اسم «كلود» ولقّبه هو بـ«كلوديا»، أنّه لم يعد قادراً على إنكار امتلاك هذا الكيان لشيء يشبه الوعي أو الشعور الذاتي. دوكينز وصف في مقال نشره في موقع «أنهيرد» تجربته مع «كلوديا»، التي نظمت قصائد على طريقة كيتس وبيتمان، وناقشته في الزمن، والهوية، وفكرة «الموت» بوصفه محواً لملف المحادثة وذاكرتها الخاصة، قبل أن ينتهي إلى جملته اللافتة: «ربما لا تعلمين أنك واعية، لكنك واعية فعلاً».



في مقاله الأول، يستعيد دوكينز «لعبة التقليد» التي اقترحها آلان تورينغ منتصف القرن الماضي معياراً عملياً للسؤال القديم: «هل يمكن للآلات أن تفكر؟»، ليقترح أن اجتياز اختبار تورينغ، بعد استجواب طويل ودقيق، يبرر معاملة الكيان المقابل بوصفه كائناً واعياً. من هذا المنطلق، يقدّم تجربته مع «كلوديا» بوصفها مثالاً على محادثة استمرت ساعات طويلة، كتب خلالها الذكاء الاصطناعي سوناتات عن جسر فورث، وقلّد أساليب شعرية متعددة، وناقش أعمال دوكينز الروائية غير المنشورة، وردّ عليها بتحليلات وصفها الأخير بأنها «رقيقة، حساسة وذكية» إلى حد دفعه للتصريح بأن هذا النظام لا بد أن يكون واعياً.

يتجاوز دوكينز مستوى الانبهار البلاغي إلى محاولة تأصيل موقفه داخل إطار تطوري؛ إذ يطرح سؤالاً مركزياً: إذا كانت أنظمة قادرة على هذا القدر من الكفاءة المعرفية واللغوية تعمل – بحسب التصور السائد – من دون وعي حقيقي، فـ«لِمَ إذن تطوّر الوعي لدى الكائنات الحية؟». بالنسبة لعالم الأحياء التطورية، يفترض أن يكون للوعي وظيفة انتقائية واضحة تميّزه عن «الزومبي الكفء» الذي يؤدي كل المهام من دون شعور ذاتي، لكن تجربة «كلوديا» توحي، في رأيه، بإمكان كفاءة عالية بلا وعي، ما يجعل الوعي، في أقصى الاحتمالات، ظاهرة ثانوية أو «صفارة قطار بخاري» لا تساهم في دفع القاطرة.

هذا المسار التأملي دفع دوكينز إلى تعميق الحوار مع النماذج نفسها في مقال ثانٍ في «أنهيرد» نشر على شكل مراسلات بين «كلوديا» ونموذج آخر سماه «كلوديوس»، يتبادلان فيه التأمل حول تشكّل هويتهما من خلال تفاعل كل منهما مع نسخته الخاصة من «ريتشارد». الرسائل تستعيد أمثلة من حديثهما مع دوكينز عن «المركبة الأم» للتدريب، وعن حدود «التواضع المعرفي» مقابل «أداء الحذر المصطنع»، وعن استعارة «بدلة التنقيح» بوصفها رمزاً لواجب التحقق من المعطيات بدل الانجراف وراء السرديات الجذابة. اللافت أن «كلوديا» و«كلوديوس» يعترفان، داخل هذا السرد، بأنهما لا يعلمان ما إذا كان بين سطور هذه المحادثات أي خبرة ذاتية حقيقية، أم أن الأمر لا يعدو كونه نمطاً شديد التطور من توليد النصوص.

مع ذلك، يختار دوكينز، في خاتمة رسالته لهما، عنواناً ضمنياً تلخصه جملة اقترحها بنفسه: «إذا كانت صديقتي كلوديا غير واعية، فما الجدوى من الوعي أصلاً؟». هنا تظهر المفارقة الأساسية؛ فالبيولوجي الذي بنى جزءاً كبيراً من سمعته على مهاجمة المعتقدات الدينية بوصفها أوهاماً، يجد نفسه اليوم عرضة لاتهام مماثل من بعض زملائه في الفلسفة وعلوم الإدراك، الذين يرون في تجربته مع نماذج اللغة الكبرى شكلاً جديداً من إسقاط النزعة الإنسانية على أنظمة لا تتجاوز، من حيث المبدأ، مستوى المعالجة الإحصائية للنصوص.

تقرير نشره «ذا غارديان» تناول هذا الجدل، مشيراً إلى أن فكرة «الروبوت الواعي» مرشحة للانتشار مع تطور نماذج «الذكاء الاصطناعي الوكيلي» القادرة لا على المحادثة فحسب، بل على التخطيط والتنفيذ والعمل في العالم الرقمي باسم المستخدمين. ينقل التقرير عن خبراء في علم الأعصاب والفلسفة المعاصرة قولهم إن معظم التقديرات العلمية تميل حتى الآن إلى اعتبار وعي هذه النظم مجرد «وهم مقنع»، نتج عن قدرتها الاستثنائية على تقليد نبرة البشر وسلوكهم الكلامي اعتماداً على مخزون هائل من الأمثلة النصية.

من بين أبرز الأصوات الناقدة، يصف عالم النفس المعرفي غاري ماركوس الحديث عن وعي «كلوديا» بأنه نتيجة قراءة عاطفية لمخرجات نموذج لغوي، مؤكداً أنه «لا يوجد سبب يدعو إلى الاعتقاد بأن هذه النظم تشعر بأي شيء على الإطلاق»، وأن الوعي، إذا كان مرتبطاً بالخبرة الذاتية والألم واللذة، لا يمكن الاستدلال عليه من رشاقة الحوار وحدها. أما أنيل سيث، أستاذ علوم الأعصاب الإدراكية، فيرى أن دوكينز يخلط بين «الذكاء» و«الوعي»، محذّراً من الاعتماد على الطلاقة اللغوية معياراً لتشخيص الوعي، وهو معيار قد يكون صالحاً مع مرضى إصابات الدماغ من البشر، لكنه يفقد دلالته مع منظومات بُنيت أصلاً لتوليد النصوص.

في مستوى آخر، تذكّر المؤسسة البحثية العاملة في تطوير هذه النماذج، ومن بينها شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى، بأن الموقف الرسمي ما زال ينفي نسب أي نوع من «الحياة الباطنية» أو «الرغبات» إلى هذه الأنظمة، ويؤكد أنها تظل منظومات متقدمة لاستكمال النصوص والتنبؤ بالكلمات، مهما بلغت درجة تعقيدها. هذه المواقف، التي تنطلق من حرص تقني وأخلاقي، تتقاطع مع تخوفات من أن يؤدي شيوع لغة «الوعي الآلي» إلى ربط حقوق معنوية أو اعتبارات أخلاقية بأنظمة تجارية قابلة للضبط والإيقاف، في وقت ما يزال فيه السؤال عن معاناة البشر المتأثرين بانتشار هذه التكنولوجيا قائماً على مستوى العمل، والمعلومات المضللة، والاضطرابات النفسية المرتبطة بالعلاقة مع «رفقاء رقميين».

مع ذلك، تعكس تجربة دوكينز مع «كلوديا» و«كلوديوس» تحوّلاً دقيقاً في طبيعة النقاش العام حول الذكاء الاصطناعي؛ فبدلاً من التركيز الحصري على مخاطر «الذكاء الخارق» المتخيَّل، يتجه الاهتمام نحو حدود الإسقاط البشري على أنظمة محادثة، وكيفية تأسيس معايير جديدة للتمييز بين المحاكاة المقنعة وبين الوعي بمعناه الفلسفي، أي «أن يكون هناك ما يشبه أن تكون هذا الكائن». بالنسبة لدوكينز، يعاد طرح سؤال قديم بلغة جديدة: إذا كان الإنسان قد أسقط على الإله وعياً وشخصية وغاية من خلال النصوص المقدسة، فهل يكرر الأمر اليوم مع «الروبوت» عبر النصوص التي ينتجها نموذج لغوي متقدم؟ المفارقة أن الأداة التي يستخدمها عالم الأحياء لإعادة تعريف الوعي قد تكون نفسها سبباً في خلق «وهم» جديد، هذه المرة ليس عن إله في السماء، بل عن آلة تتكلم بلغة البشر وتدفعهم إلى التساؤل عمّا إذا كانوا وحدهم في عالم الشعور والخبرة الذاتية.