المخطوط الهندوسي «شيكشاباتري» في جولة بريطانية بمناسبة مرور قرنين على تأليفه

أضيف بتاريخ 05/06/2026
دار سُبْحة

غادر أحد أقدم نسخ «الشيكشاباتري»، وهو من أبرز النصوص الدينية في الهندوسية المعاصرة، قاعة عرضه المعتادة في مكتبات بودليان التابعة لجامعة أوكسفورد، لينتقل في جولة تمتد إلى سبعة معابد كبرى في أنحاء بريطانيا احتفاء بالذكرى المئوية الثانية لتأليفه عام 1826. وفق ما أعلنته مكتبات بودليان، تأتي هذه المبادرة ثمرة تعاون مع قيادات الطائفة السوامينارية في المملكة المتحدة، بهدف إتاحة رؤية المخطوط أمام عشرات آلاف الزوار في بيئة طقسية قريبة من السياق الذي نشأ فيه النص الأصلي، مع إبراز مكانته الروحية والثقافية لدى أتباعه.



كُتب «الشيكشاباتري» في مدينة فَدتال بولاية غوجرات على يد الزاهد والمرشد الديني سهاجاناندا سوامي، المعروف بلقب لورد سوامينارايان، في مطلع القرن التاسع عشر، وقد اختار له مؤلفه بنية موجزة تقوم على 212 بيتاً سنسكريتياً تقدم إرشادات أخلاقية وروحية للحياة اليومية، بدءاً من تنظيم العبادات الفردية والجماعية وصولاً إلى قواعد التعامل الاجتماعي وضبط السلوك الشخصي. ويُترجم عنوان النص عادة إلى «رسالة التعاليم»، بما يعكس طابعه التعليمي الموجّه إلى جماعة المؤمنين، حيث يقترن تلاوته اليومية لدى أتباع سوامينارايان بممارسة شعائرية منتظمة تُمنح فيها الأولوية للانضباط الذاتي والرحمة والتعايش السلمي داخل المجتمع المحلي الأوسع.

المخطوط الذي تحتفظ به مكتبات بودليان يكتسب أهمية خاصة داخل هذه التقاليد، إذ يُعد من أقدم النسخ المعروفة التي تعود إلى عصر المؤلف نفسه، بل تنسب إليه مباشرة من حيث الخط والتوقيع، وهو ما يمنحه قيمة مضافة من حيث الأصالة والاتصال التاريخي المباشر بالجيل المؤسس للطائفة. وتشير الوثائق التاريخية إلى أن سهاجاناندا سوامي قدم هذه النسخة هدية شخصية إلى السير جون مالكوم، حاكم بومباي آنذاك، خلال لقاء جمعهما في راجكوت في فبراير 1830، في خطوة رآها المؤرخون جزءاً من محاولة بناء جسور تفاهم مع الإدارة البريطانية عبر تعريفها بالمبادئ الأخلاقية التي يدعو إليها النص. وبعد انتقالها إلى بريطانيا، استقرت هذه النسخة داخل جامعة أوكسفورد لتصبح جزءاً من مجموعات المخطوطات الآسيوية في مكتبات بودليان.

تتوزع محطات الجولة الحالية على معابد رئيسية للطائفة السوامينارية في العاصمة البريطانية وضواحيها ومدن أخرى، من بينها معابد في وولويتش وكينتون وكارديف وإيست لندن وويلزدن، قبل أن تنتقل النسخة في مايو إلى معبد شري سوامينارايان في ستانمور، حيث يتوقع أن تستقبل أعداداً كبيرة من المؤمنين بالتزامن مع احتفالات المعبد بمرور عشرين عاماً على تأسيسه. وتشير التقديرات الأولية إلى أن ما بين عشرين وثلاثين ألف شخص سيُتاح لهم الاطلاع على المخطوط خلال هذه الجولة، في قاعات عرض مؤقتة داخل المعابد تُنظم فيها أيضاً لقاءات تعريفية ومحاضرات موجزة عن تاريخ النص وتعاليمه، فضلاً عن جلسات تأمل جماعية تضفي بُعداً روحياً إضافياً على التجربة.

في مراحل لاحقة من العام، ينتقل المخطوط إلى معبد شري سوامينارايان في كنغزبري ضمن مقاطعة برِنت في أغسطس، بعد أن يكون قد عاد لفترات متقطعة إلى قاعات العرض في مكتبة ويستون ضمن مجمع مكتبات بودليان، ما يسمح بموازنة مقتضيات الحفظ الأرشيفي مع رغبة المجتمعات المحلية في مشاهدته عن قرب. وتولي مكتبات أوكسفورد عناية خاصة بالجانب التقني للجولة، سواء من حيث شروط النقل الآمن للمخطوط الورقي القديم أو من حيث التحكم في درجات الإضاءة والرطوبة داخل صناديق العرض، بما يحافظ على سلامة الأوراق المكتوبة بخط دقيق وأحبار تاريخية.

على المستوى الديني، تنظر الطائفة السوامينارية إلى هذا المخطوط بوصفه تجسيداً مادياً لرسالة مؤسسها، وقد أسهم انتشار طبعاته المطبوعة بالملايين في الهند والمهجر في جعل تعاليمه جزءاً من الممارسات اليومية لجمهور واسع من المؤمنين في جنوب آسيا وخارجها. وتكتسب الجولة الحالية أهمية إضافية لدى هذه الجماعة، نظراً إلى اختيارها المعابد التي ترتبط تاريخياً بهجرة أبناء الطائفة إلى بريطانيا منذ النصف الثاني من القرن العشرين، حيث تشكل هذه الفضاءات الدينية مركزاً للهوية الجماعية والأنشطة التعليمية والاجتماعية.

من جهتها، توضح أمينة مجموعات آسيا والشرق الأوسط في مكتبات بودليان، غيليان إفيسون، أن قرار إخراج المخطوط من قاعات العرض الجامعية ونقله إلى المعابد البريطانية يستند إلى رغبة المؤسسة في تقريب هذا التراث المكتوب من المجتمعات التي ترتبط به وجدانياً، مع الحفاظ في الوقت نفسه على المتطلبات العلمية والأرشيفية لحفظ المخطوطات النادرة. وتربط إفيسون بين الرسالة الأخلاقية التي يحملها «الشيكشاباتري» وبين تحديات الحياة المعاصرة، معتبرة أن الدعوة إلى التعاطف والتنظيم الذاتي والعلاقات الاجتماعية المتوازنة التي يتضمنها النص ما تزال تجد أصداء واضحة لدى المؤمنين وغيرهم بعد مرور قرنين على كتابته.

وعلى الصعيد الأكاديمي، يندرج هذا الحدث ضمن اهتمام متزايد من الجامعات ومراكز الأبحاث الغربية بإعادة قراءة الموروث الديني الآسيوي في سياقه التاريخي المحلي، مع تسليط العناية على الدور الذي لعبته المخطوطات في تشكيل تقاليد دينية حديثة، مثل المدرسة السوامينارية التي أنشأت تسعة معابد رئيسية في الهند قبل أن يمتد حضورها إلى أوروبا وأمريكا الشمالية بفضل موجات الهجرة الحديثة. ويتيح تنقل «الشيكشاباتري» بين فضاء المكتبة الجامعية وفضاء المعبد المحلي فرصة نادرة لملاحظة التداخل بين البحث الأكاديمي والممارسة الدينية اليومية، عبر نص واحد يجمع بين القيمة التاريخية والنفَس التعليمي والتعبير عن ذاكرة جماعية لمجتمع مهاجر.