منح بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر السفيرَ الإيراني لدى الكرسي الرسولي محمد حسين مختاري أرفع وسام بابوي فخري، في خطوة تعكس رهان الفاتيكان على الدبلوماسية والحوار في واحدة من أكثر اللحظات توتراً في الشرق الأوسط.
شهد الفاتيكان منتصف هذا الأسبوع مراسم خاصة في القصر الرسولي، حيث قلّد البابا ليو الرابع عشر السفيرَ الإيراني محمد حسين مختاري وسام «Ordine Piano» أو «وسام بيانو البابوي»، وهو من أرفع أوسمة الفروسية التي يمنحها الكرسي الرسولي للسفراء والشخصيات الدولية التي تسهم في تعزيز العلاقات الدبلوماسية وخدمة قضايا السلام. ويأتي الوسام من درجة رفيعة تُمنح تقليدياً في ختام مهام السفراء أو اعترافاً بأدوار استثنائية في بناء الجسور بين الفاتيكان والدول المعتمدة لديه.
الخبر الذي أعلنته في الأساس وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية «إرنا» سرعان ما أكدته وسائل إعلام عربية ودولية، مشيرة إلى أن الوسام يُعد من أعلى الأوسمة الدبلوماسية الفخرية في الفاتيكان، وأن اختياره للسفير الإيراني يحمل «دلالات سياسية وروحية» في آن معاً. تقارير عربية، من بينها «النشرة» اللبنانية ومواقع إخبارية أخرى، أوضحت أن «Ordine Piano» يُمنح عادةً للسفراء الذين لعبوا دوراً إيجابياً في إدارة الملفات الشائكة وتخفيف التوترات عبر قنوات الحوار الهادئ.
بحسب ما نقلته هذه الوسائل عن مصادر دبلوماسية، رأت دوائر الفاتيكان في نشاط السفارة الإيرانية خلال الأشهر الماضية نموذجاً لـ«دبلوماسية الممرات الهادئة»، إذ عملت طهران عبر قنواتها مع الكرسي الرسولي على الدفع باتجاه تهدئة الخطاب حول الصراع في غزة، وطرح مقاربات تقوم على وقف التصعيد وحماية المدنيين وإبقاء باب المفاوضات مفتوحاً. ورغم أن الفاتيكان لا يعلّق عادة على تفاصيل منح أوسمته البابوية، فإن اختيار شخصية تمثل الجمهورية الإسلامية، في توقيت تتصاعد فيه الضغوط الغربية على طهران، قرئ في عدد من التحليلات بوصفه رسالة بأن الانخراط والحوار يبقيان خياراً مفضَّلاً لدى الكرسي الرسولي على منطق العزل والقطيعة.
من جهتها، قدّمت وسائل إعلام إيرانية وعربية الحدث باعتباره «تكريساً لشرعية الدور الإيراني» في الدفاع عن قضايا المنطقة، مع إبراز صور المصافحة بين البابا ومختاري إلى جانب شهادة الوسام المزخرفة باللاتينية، والتي تتضمن اسم السفير ودرجة الوسام وتاريخ منحه. في المقابل، أثار التكريم انتقادات في بعض الأوساط الغربية التي ترى أن الفاتيكان يبعث بإشارة مقلِقة لحلفائه، غير أن دوائر كنسية تردّ بأن سياسة الكرسي الرسولي التاريخية تقوم على إبقاء قنوات الحديث مفتوحة حتى في ذروة الخلافات السياسية والعقائدية.
في السياق الأوسع، يأتي هذا التطور فيما يحاول البابا ليو الرابع عشر تثبيت صورة الفاتيكان كلاعب دولي مستقل، قادر على التوسط بين عواصم متخاصمة، من واشنطن وطهران إلى موسكو وكييف، عبر ما يسميه مقربون منه «الدبلوماسية الروحية» القائمة على الأخلاق والعدالة والسلام. وإذا كان الوسام الممنوح للسفير الإيراني يحمل طابعاً بروتوكولياً، فإن رمزيته السياسية تبدو أبعد من ذلك: تذكير بأن الفاتيكان لا يزال يرى في الشرق الأوسط ملعباً أساسياً لدوره العالمي، وأن الطريق إلى نزع فتيل الحروب يمر عبر احترام الخصوصيات الدينية والثقافية والاعتراف المتبادل بالمصالح، لا عبر محو الآخر أو شيطنته.


