‎إسلام فرنسا بين ثلاثة أمراض ودواء واحد: لا ديمقراطية بلا مسلمين راشدين

أضيف بتاريخ 02/18/2026
دار سُبْحة

يُلاحظ في مقال نشره جان‑فرانسوا كوبيه في موقع مجلة «لكسبريس» (قسم «أفكار ونقاشات»، 18 فبراير 2026) أنّ صدور العمل الجماعي «Musulmans en Occident»، الصادر عن مسجد باريس الكبير تحت إشراف شـمس‑الدين حجّاز، استُقبل بوصفه محاولة منهجية لمعالجة نقاط التوتر بين ممارسة الإسلام والخصوصيات الفرنسية. يبيّن الكاتب أنّ هذا الكتاب، المنجز في ثلاث سنوات والممتد على نحو 900 صفحة، يعتمد Glossaire يشرح حوالي مئتي مفهوم مثير للجدل مثل الحجاب والزواج والصوم، بغرض إظهار إمكانية التوافق مع مبادئ الجمهورية وتبديد سوء الفهم المتراكم، ويرى فيه وثيقة عملية تقترح أجوبة على ثلاثة «أدواء» تحكم علاقة فرنسا بمواطنيها المسلمين: النزعة إلى الوصاية، والتوظيف السياسي، والاختزال الهوياتي.  



بحسب كوبيه، يكمن أول هذه الأدواء في ما يسميه «الإ infantilisation»، أي التعامل مع المسلمين الفرنسيين كقُصَّر يحتاجون إلى من يشرح لهم العلمانية بدل مخاطبتهم كراشدين. ويُفهم من تحليله أنّ الكتاب يقدَّم كنقيض لهذا المنطق، لأنه يعتمد خطابًا تربويًا يشرح القوانين والرهانات بلغة مبسطة، ويفترض في القارئ المسلم القدرة على تلقي نقاش صارم حول العلمانية والامتثال له، مع مرافقة هذا الجهد بنشاط تواصلي (مؤتمرات، جولات، مواد سمعية‑بصرية) يهدف إلى أن يصبح مرجعًا مضادًا للخطاب الإسلاموي المتشدد المنتشر، في نظره، في بعض الأحياء وعلى منصات مثل تيك توك.  

ويشير المقال إلى أنّ الداء الثاني هو «l’instrumentalisation»، أي تحويل المسلمين إلى أداة في الصراع السياسي. من خلال قراءته، يقدّم كوبيه مثالًا على ما يعتبره استغلالًا من طرفي الطيف الشعبوي: إذ يرى أن أقصى اليسار يميل إلى تقديمهم كضحايا دائمين لفرنسا مصوَّرة في هيئة بلد عنصري، بينما يجعلهم أقصى اليمين كبش فداء سهلًا لكل المخاوف والاضطرابات. ويفهم القارئ من تحليله أنّ النتيجة واحدة في الحالتين: ملايين المواطنين يُختزلون في دينهم لا في مواطنتهم، وأن العمل التربوي الهادئ الذي يمثله هذا الكتاب يمكن أن يساعد، وفقًا له، على الحدّ من هذا الاستقطاب.  

أما الداء الثالث، وفق ما يعرضه كوبيه، فهو «l’essentialisation»، أي حصر الفرد في هويته الدينية وجعلها المعطى الوحيد للتعريف به والتوجه إليه. ويُنقل عن الكاتب اعتباره أنّ كثيرًا من الفرنسيين المسلمين ضاقوا بهذا المنظور ويرغبون في أن يُخاطَبوا كآباء وعمال ورواد أعمال ومواطنين يحبون بلدهم كما يفعل أتباع ديانات أخرى أو غير المتدينين. وفي هذا السياق يستدعي المقال الإشارة إلى الرسالة البابوية «Au milieu des sollicitudes» الصادرة عام 1892، والتي دعت الكاثوليك إلى الانخراط في الجمهورية، ليقدَّم هذا النص التاريخي بوصفه سابقة تُظهر، في قراءة كوبيه، إمكانية الجمع بين إيمان ديني عميق وولاء كامل لإطار جمهوري علماني.  

وفي خاتمة المقال على موقع «لكسبريس»، يُستشف أنّ كوبيه يضع مفهوم العلمانية في قلب الحلّ الذي يقترحه هذا العمل؛ إذ يورد أن معجم «Musulmans en Occident» يصفها بأنها «فرصة للمسلمين»، ويؤكد أن قانون 1905 يُقدَّم في هذا السياق كقانون للحرية قبل أن يكون قانونًا للقيود، لأنه يضمن ممارسة الشعائر مع احترام القانون وحقوق الآخرين، ويشكّل في الآن ذاته حماية من تحويل الدين إلى أداة للوصاية أو الإقصاء. ومن خلال استحضاره المثل اليهودي الشهير «سعيد كالله في فرنسا»، يلمح الكاتب، كما يفهم من نصه، إلى أن خصوصية النموذج الفرنسي تكمن في هذا الإطار العلماني الحامي، شرط أن يُعامَل المسلمون فيه كشركاء كاملي الأهلية في العقد الجمهوري لا كموضوع دائمٍ للجدل يُدار باسمهم من دون مشاركتهم.