يرى العديد من المستشرقين أن اللغة السريانية (أو الآرامية السريانية) لعبت دوراً محورياً في تكوين النص القرآني، معتبرين إياها اللغة الثقافية والطقوسية المهيمنة في الشرق الأدنى خلال العصور القديمة المتأخرة. وتتراوح تفسيراتهم لهذه العلاقة بين الاقتراض اللغوي البسيط وبين القول بوجود "أصل سرياني" لأجزاء واسعة من النص.
ويمكن تلخيص أبرز توجهات المستشرقين في هذا الصدد من خلال النقاط التالية:
الأصول اللغوية والمفردات الأجنبية:
- قدر المستشرق ألفونس منغانا أن حوالي 70% من المفردات الأجنبية في القرآن تعود لأصول سريانية وآرامية.
- أشار آرثر جيفري إلى أن المصطلحات الدينية الفنية في القرآن (مثل "تور"، "فرقان"، "قرآن") لها جذور سريانية دخلت العربية نتيجة احتكاك العرب بالمجتمعات المسيحية السورية.
- يرى سيدني غريفث وجود ما يسميه "السريانيات" (Syriacisms)، وهي ترجمات حرفية لعبارات سريانية إلى العربية، مثل عبارة "ثالث ثلاثة" التي قد تعكس المصطلح السرياني "tlîthayâ" (المثلث).
نظرية "القراءة السريانية الآرامية" (كريستوف لوتسنبرغ):
- يعد لوتسنبرغ الأكثر إثارة للجدل، حيث يزعم أن القرآن كُتب بـ "لغة مختلطة" عربية-آرامية.
- يقترح لوتسنبرغ إعادة قراءة الكلمات الغامضة في الرسم العثماني عبر ردها إلى أصول سريانية؛ فمثلاً يفسر كلمة "حور" على أنها "عنب أبيض" (استناداً إلى معانيها السريانية) بدلاً من "نساء الجنة".
- يدعي أن المفسرين الأوائل فقدوا السياق اللغوي الأصلي ففسروا الكلمات السريانية بمعانيها العربية المتأخرة، مما أدى إلى تحريف المعنى الأصلي للنص.
التأثيرات الطقوسية والأدبية:
- ربط تور أندري بين "التقوى الأخروية" في القرآن وبين التقاليد الوعظية السريانية (مثل أعمال أفرام السرياني ويعقوب السروجي)، معتبراً أن الأوصاف القرآنية للجنة والقيامة لها نماذج سابقة في الأدب السرياني.
- اقترح غونتر لولينغ وجود "أصل مسيحي" (Ur-Qur'an) لبعض أجزاء القرآن، كانت عبارة عن ترانيم كنسية قديمة أعيد صياغتها لتناسب الفكر الإسلامي الناشئ.
الاقتباس من القصص والملاحم السريانية:
- أثبت باحثون مثل كيفن فان بلادل أن قصة "ذو القرنين" (سورة الكهف) هي إعادة صياغة عربية لملحمة سريانية عُرفت بـ "أسطورة الإسكندر السريانية" التي كُتبت حوالي عام 629-630م كدعاية للإمبراطور هرقل.
- يربط سيدني غريفث بين قصة "أصحاب الكهف" وبين الروايات السريانية للقديسين (مثل قصة فتية أفسس)، مشيراً إلى أن القرآن يعيد سرد هذه القصص لأغراضه الوعظية الخاصة مع افتراض معرفة الجمهور بها مسبقاً.
العلاقة بالترجمة والاشتقاق:
- يرى مانفرد كروب أن بعض المصطلحات مثل "مائدة" و"شيطان" انتقلت إلى العربية عبر الحبشية التي تأثرت هي الأخرى بالسريانية، مما يشير إلى قنوات انتقال معقدة وشفهية للثقافة الدينية.
تعتمد هذه الدراسات الاستشراقية إجمالاً على منهج "التفكيك الفيلولوجي" (اللغوي) سعياً لوضع القرآن ضمن سياق البيئة الطائفية واللغوية للشرق الأدنى في تلك الحقبة، وهو ما يصطدم غالباً مع الرواية الإسلامية التقليدية حول أصالة اللغة العربية القرآنية.
لمزيد من السياق حول الإشكالية العامة، يمكن مراجعة مقال إشكالية فهم النص القرآني في الدراسات الاستشراقية. أما التفصيل الكامل لأشهر أمثلة هذا المنهج، وهو تفسير لوتسنبرغ لمصطلح "الحور العين"، فمعروض في مقال مستقل. ويمكن الاطلاع على رد الباحثين المسلمين على هذه القراءات السريانية في مقال آخر.
يعرض مقال مستقل مقارنة مفصلة بين قصة ذي القرنين وأسطورة الإسكندر السريانية، وهي أبرز الأمثلة المطروحة في محور الاقتباس من القصص والملاحم السريانية أعلاه.
يُفصَّل المثال الآخر البارز لهذا المحور، وهو قصة أصحاب الكهف، في مقال مستقل: أصحاب الكهف و"فتية أفسس السبعة": قراءة استشراقية مقارنة.