يرى المستشرقون أن قصة أصحاب الكهف في القرآن (الكهف: 9-26) هي صدى لرواية مسيحية قديمة عُرفت بلقب "فتية أفسس السبعة" أو "النِيّام السبعة"، والتي كانت منتشرة على نطاق واسع في التقاليد الليتورجية والوعظية المسيحية قبل الإسلام، لا سيما في التراث السرياني.
ويمكن تفصيل تفسيراتهم لهذه القصة من خلال النقاط التالية:
المصدر النصي الرئيس (يعقوب السروجي)
يعتقد باحثون مثل سيدني غريفث وإغناطيوس غويدي أن النص السرياني الأقرب للرواية القرآنية هو ميمر (قصيدة وعظية) منسوب للرهب السرياني يعقوب السروجي (توفي 521م). ويشير المستشرقون إلى أن القرآن لم ينقل الرواية حرفياً، بل استدعاها كمرجع مألوف لجمهوره العربي، مع "أسلمة" إطارها العام وحذف التفاصيل الجغرافية والأسماء المسيحية الصريحة لخدمة أغراضه الوعظية.
تفسير مصطلح "الرقيم"
أثار هذا المصطلح جدلاً واسعاً بين المستشرقين، وقدموا فيه عدة فرضيات:
- الألواح الرصاصية: يرى غريفث أن "الرقيم" يشير إلى ألواح الرصاص (loha d-barta) التي ذكرت الروايات السريانية (مثل رواية السروجي وزكريا الفصيح) أن مسيحيين معاصرين لعهد الإمبراطور دقيوس نقشوا عليها أسماء الفتية وقصة دخولهم الكهف ووضعوها في صندوق عند مدخل الكهف.
- تصويبات لغوية: اقترح جيمس بيلامي ولوتسنبرغ أن المصطلح قد يكون تحريفاً ناتجاً عن سوء قراءة الرسم القديم؛ حيث اقترح بيلامي قراءتها "الرقود" (أي النائمين) لتناسب الآية 18، بينما اقترح لوتسنبرغ قراءتها "الرقاد" (أي النوم).
لغز "الكلب" مقابل "الحارس"
تنفرد الرواية القرآنية بذكر الكلب باسطاً ذراعيه بالوصيد، بينما تخلو النصوص المسيحية السريانية قبل الإسلام من ذكره.
- يقترح بعض الباحثين أن فكرة "الكلب" قد تكون تطوراً لمصطلح "العِيرا" ('îrâ) السرياني، وهو الحارس (أو الملاك) الذي ذكر السروجي أن الله أرسله ليحرس أطراف الفتية أثناء نومهم.
- يرى غريفث أن ذكر الكلب يتناسب مع الاستعارات الرعوية (الراعي الصالح والقطيع) المنتشرة في التراث السرياني، والتي قد تكون انتقلت إلى المخيال العربي الشعبي قبل نزول القرآن.
بناء "المسجد" فوق الكهف
تشير المصادر السريانية (مثل تاريخ زكريا الفصيح) إلى أن الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني، بعد استيقاظ الفتية ووفاتهم مجدداً، أمر ببناء مقدس أو "بيت صلاة" (bayt slutâ) فوق الكهف، وهو ما يراه المستشرقون مطابقاً للوصف القرآني "لنتخذن عليهم مسجداً".
الاختلاف في العدد والمدة الزمنيّة
يلاحظ المستشرقون أن القرآن أشار صراحة إلى وجود نزاع بين الناس في عصره حول عدد أصحاب الكهف (ثلاثة، خمسة، سبعة)، وهو نزاع موجود فعلاً في المصادر المسيحية؛ حيث ذكرت بعضها ستة مرافقين مع القائد، وأخرى سبعة. كما تتباين الحسابات الزمنية بين النصوص السريانية (التي تتراوح بين 200 إلى 372 عاماً) وبين الرقم القرآني (300 سنين وازدادوا تسعاً)، مما جعل القرآن يوجه النبي للقول "الله أعلم بما لبثوا".
الرسالة اللاهوتية
يرى المستشرقون أن الغرض من إيراد القصة في التقليدين المسيحي والإسلامي هو إثبات عقيدة البعث والنشور (resurrection) وتفنيد آراء المنكرين لها؛ إلا أن القرآن استخدم القصة أيضاً كتحذير لـ "الذين قالوا اتخذ الله ولداً"، مؤكداً من خلالها على وحدانية الله المطلقة ونفي الشريك في الحكم.
هذه القصة تُعرض ضمن مقارنات أوسع في مقال أثر اللغة السريانية في تكوين النص القرآني عند المستشرقين، ويكملها في السياق نفسه مقال قصة ذي القرنين وأسطورة الإسكندر السريانية، فيما يعرض رد الباحثين المسلمين على القراءات السريانية للقرآن وجهة النظر النقدية المقابلة لهذا المنهج.


