أعاد فيلم "ماذر" الذي عُرض حديثاً تسليط الضوء على حياة مريم تيريزا، الشخصية العالمية التي كرّست أكثر من أربعين عاماً في خدمة الفقراء والمرضى في كالكوتا وحصلت على جائزة نوبل للسلام عام 1979. الفيلم لا يقدّم سيرة تقليدية، بل يركّز على أسبوع محوري في عام 1948، حيث تواجه مريم تيريزا داخل أحد الأديرة صراعاً داخلياً بين رسالتها الإيمانية وشكوكها وتحدياتها النفسية وبين احترامها الصارم لتعاليم الكنيسة ومواجهتها لظروف شخصية عصيبة في علاقتها مع إحدى الراهبات الشابات.
يُبرز العمل الطابع العملي والمعقد لشخصيّة تيريزا، التي برزت بسعيها الدؤوب لمساعدة الآخر، لكنها واجهت في حياتها الكثير من الجدل والنقد بشأن مواقفها من قضايا الإجهاض والطلاق وتدبير التبرعات، إضافة إلى منهجها في التعامل مع الفقر وبُعدها أحياناً عن معالجة أسبابه الجذريّة. وفي سرد يوازن بين الواقع والخيال، تظهر الراهبة كشخصية متعددة الأبعاد تجمع بين الرحمة والصرامة، التفاني والتساؤل، حريصة على خلاص روحها وخدمة الآخرين في الوقت نفسه.
ينقل الفيلم مواجهة البطلة لصراعاتها الروحية وفترات "الظلمة الداخلية" في الإيمان، مستلهماً من الرسائل المنشورة بعد وفاتها والتي تبرز مدى شك يعتري أحياناً أعظم الشخصيات الدينية. ورغم أن بعض النقاد يرون أن الفيلم يكتفي بتناول فصل محدود من حياتها ولا يغوص عميقاً في الجوانب المثيرة للجدل أو السياق التاريخي والسياسي لمسيرتها، إلا أنه يتميز بتصوير صادق لصراعاتها الداخلية ويمنح صورة إنسانية معاصرة لأيقونة دينية.
يبقى إرث مريم تيريزا حاضراً من خلال آلاف الراهبات والمراكز المنتشرة حول العالم، ويذكّر الفيلم بأن القداسة، في عيون الكنيسة والكثير من المؤمنين، ليست نقاءً مطلقاً بل سعي دائم نحو فعل الخير ومواجهة الشكوك بشجاعة وأمانة.

