سامي يوسف ينسج في فاس فضاء روحياً عابراً للحدود

أضيف بتاريخ 06/09/2026
دار سُبْحة

قدّم الفنان البريطاني من أصل أذري سامي يوسف أمسية موسيقية مطوّلة في فضاء باب المكينة بفاس، ضمن الدورة التاسعة والعشرين من مهرجان فاس للموسيقى الروحية، حيث اعتمد برنامجه على مزيج من الأناشيد الصوفية والموروث الأندلسي والتأليف المعاصر في صيغة واحدة متماسكة تحاور سجلات سمعية متعددة في آن واحد. انطلقت الأمسية مع قطعة «مدد»، التي تُعد من الأعمال الأكثر تداولاً في رصيده، لتشكّل لحظة الافتتاح لحالة تفاعل جماعي بين المنصة والمدرجات، مع استجابة فورية من جزء واسع من الحضور الذي ردد المقاطع الأساسية وواكب الإيقاع بالتصفيق المتقطّع طوال القسم الأول من الحفل. تواصل السهرة مع عودة عدد من الأعمال التي رافقت مسار الفنان خلال العقدين الأخيرين، من بينها «مولانا» و«حسبي ربي»، بما يعيد تثبيت موقع هذا الرصيد الغنائي داخل سوق الموسيقى الروحية الناطقة بعدة لغات، ويؤكد قدرته على جذب جمهور متنوع جغرافياً وثقافياً.



اعتمدت البنية الفنية للأمسية على توزيع دقيق للأدوار بين صوت سامي يوسف، ومشاركة المغنية المغربية نبيلة معان، والمنشد إسماعيل بوجيا، إلى جانب أوركسترا دولي ضم موسيقيين من تركيا والمملكة المتحدة وفرنسا والصين والأردن وأذربيجان والمغرب، بما وفّر خلفية صوتية تقوم على تداخل مقامات شرقية وآلات غربية ونقرات إيقاعية آسيوية في آن واحد. هذا التكوين المتعدد الأصول منح الحفل بعداً عابراً للحدود؛ إذ انتقل البرنامج بين قطب عربي-إسلامي واضح، وتجارب لحنية مستمدة من مدارس صوفية مختلفة، مع الاحتفاظ بخط سردي موسيقي متدرج من الهدوء الافتتاحي إلى تصاعد الإيقاع في الجزء الختامي. داخل هذا البناء، احتل التراث الأندلسي مكانة محورية عبر عودة قطع مثل «الفيشية» و«لما بدا يتثنى»، حيث تقاسمت نبيلة معان وإسماعيل بوجيا الغناء والتجويد على خلفية توزيع يزاوج بين القالب التقليدي والتلوينات الأوركسترالية التي تراهن على توسيع القاعدة الجماهيرية لهذا الريبرتوار.

أدخل اللقاء بين الأصوات المغربية وسامي يوسف الموروث الأندلسي في مسار حوار مباشر مع الأناشيد ذات الخلفية الصوفية المشرقية، ما أتاح تركيب طبقات متجاورة من النصوص العربية والتركية والفارسية واللغات الأوروبية الحديثة داخل المشهد نفسه، دون المرور عبر خطاب تفسيري، بل من خلال تجربة سمعية خالصة. في هذا السياق، اكتسبت القصائد الكلاسيكية وظيفة جديدة، حيث انتقلت من حيّز الإنشاد داخل فضاءات الزوايا أو القاعات المتخصصة إلى فضاء مهرجان دولي يستقبل جمهوراً متنوعاً من حيث المرجعيات الدينية والثقافية، مع حضور لافت لزوار أجانب يُتابعون الحفل بوسائط ترجمة فورية أو مستندين إلى البعد الإيقاعي وحده. هذه الحركة بين الفضاء المحلي والجمهور الكوني تنسجم مع المسار الفني لسامي يوسف، الذي بنى جزءاً كبيراً من حضوره على مشاريع موسيقية تسعى إلى تقديم المادة الروحية في قوالب إنتاج عالية الجودة موجهة إلى منصات الاستماع الرقمية وقاعات الحفلات الكبرى على امتداد أوروبا وآسيا.

في القسم الأخير من الأمسية، انتقل البرنامج إلى حقل القوالي، وهو أحد الأشكال الموسيقية الصوفية الأكثر انتشاراً في شبه القارة الهندية، عبر أداء قصيدة «مست قلندر» التي سبق أن أعاد الفنان تقديمها في إصدارات مسجلة وحفلات جماهيرية، مؤكداً من جديد اهتمامه بمنطقة جنوب آسيا كمخزون أساسي للإنشاد الروحي المعاصر. جاء هذا المقطع الختامي بإيقاع متصاعد يعتمد تكرار الجملة الشعرية وتكثيف العزف على الإيقاعات الثقيلة، مع حضور واضح لدور الكورال في بناء حالة ترديد جماعي تشبه ما يوجد في حلقات الذكر. ضمن هذه الصيغة، يتحول المسرح إلى مساحة إنصات وتجاوب متبادل، حيث يتقدم صوت المنشد ويتراجع قليلاً لإفساح المجال للجوقة والجمهور، في بنية أقرب إلى الطقس منها إلى الحفل التقليدي، مع بقاء كل العناصر ضمن إطار تنظيم تقني احترافي من حيث الصوت والإضاءة وحركة الكاميرات.

يتجاوز حضور سامي يوسف في فاس بعد الحفل الأول، إذ يواصل مشاركته في الدورة الحالية عبر سهرة ختامية تحمل عنوان «ليلة السماع من فاس إلى قونية»، إلى جانب فرقة قونية للموسيقى الصوفية الحضرية وفرق سماع مغربية، بما يفتح مجالاً لتجاور مدرسة السماع المغربية والوريث المولوي الأناضولي داخل عرض واحد. هذا الامتداد البرنامجي يرسخ الدور الذي يلعبه الفنان داخل هندسة المهرجان، حيث يتوزع بين تقديم رصيده الخاص والانخراط في صيغ جماعية عابرة للمدارس الصوفية والمؤسسات الفنية. على مستوى بنية الحدث، تستقبل الدورة التاسعة والعشرون أكثر من 160 فناناً عبر 18 عرضاً موزعاً على فضاءات مختلفة، مع رهان واضح على تثبيت موقع فاس كمنصة دولية للموسيقى ذات المرجعية الروحية، مرتبطة برعاية رسمية ومستندة إلى شبكة شراكات ثقافية وسياحية واسعة.

ضمن هذا الإطار، يبدو حفل باب المكينة استمراراً لخط استراتيجي يتجه نحو تقديم الموسيقى الروحية في صيغ إنتاج قريبة من عروض «وورلد ميوزيك»، مع بناء علامات شخصية مثل سامي يوسف قادرة على جمع جمهور واسع دون مغادرة المرجعية الروحية الصريحة للنصوص والمؤلفات. يسهم هذا النموذج في إعادة توجيه جزء من الطلب العالمي على المحتوى الروحي نحو منصات موسيقية احترافية، بما يتيح قراءة أوسع للتداخل بين صناعة الترفيه وأسواق الموسيقى الدينية أو المتديّنة، خاصة مع حضور قوي للأعمال على منصات البث وعلى القنوات الرسمية للفنان التي تعرض تسجيلات حية من حفلات مشابهة في لندن ودبي ومدن أخرى. في الوقت نفسه، يطرح هذا المسار أسئلة بحثية حول طبيعة التحولات التي تعرفها الموسيقى الصوفية حين تنتقل من دوائرها الأصلية إلى فضاءات المهرجانات والعروض الكبرى، وهو مسار يبدو أن مهرجان فاس يواكبه عبر توسيع الشراكات مع فنانين يشتغلون على الحدود بين الطقس والتأليف المعاصر.