فيلم "البنت الصغيرة الأخيرة": رحلة هوية جريئة في هامش باريس

أضيف بتاريخ 11/12/2025
دار سُبْحة


يأتي فيلم "البنت الصغيرة الأخيرة" للمخرجة حفصية حرزي كقراءة سينمائية جديدة وملهمة لرواية فاطمة دعاس الذاتية التي أثارت الكثير من الجدل. يلج الفيلم عوالم شابة مسلمة ومثلية في إحدى ضواحي باريس، لتخوض صراعاً مكثفاً بين رغباتها، وإرثها الديني والأسري، وسعيها لفهم ذاتها في مجتمع يضيق ذرعاً بالاختلافات.

تبتعد حبكة العمل عن الصور النمطية، لتقدّم شخصية فاطمة، أصغر أفراد أسرة جزائرية مهاجرة، كفتاة تجمع بين التفوّق المدرسي والبحث الدؤوب عن الحرية الداخلية. انتقالها إلى الجامعة لدراسة الفلسفة في باريس يتيح لها اكتشاف مساحات جديدة لحياتها وهويتها الجنسية، فتعيش تجارب الحب والانجذاب للنساء بتردد وجسارة في آن معاً، دون أن تفقد صلتها بروحها الإسلامية أو حبها العميق لعائلتها.

الإخراج يلتقط ببراعة كل مفصل من رحلة البطلة: من تساؤلاتها حول علاقتها بالإيمان، إلى ارتباكها في مواجهة أحكام المجتمع وتناقضاته، فيأتي الفيلم حافلاً بلحظات الصدق والحنان، دون افراط في الميلودراما أو الاستسهال السردي. الصور تُبرز قسوة الضواحي أحياناً، وسط عذوبة التفاصيل الصغيرة التي تمنح حياة "فاطمة" معنى خاصاً.

واجه الطاقم تحديات لوجيستية وثقافية أثناء التصوير، بما في ذلك صعوبة استحضار موضوعات مثل الميول الجنسية والهوية الدينية ضمن محيط تقليدي محافظ. إلا أنّ الأداء اللافت للممثلة ناديا ميليتي أضاف للفيلم عمقًا إنسانيًا، ونال إشادات في المهرجانات وحاز على جوائز هامة بينها جائزة "الكوير بالم" وجائزة التمثيل في كان.

الفيلم جسر فني متين يربط بين أسئلة الهوية والانتماء والإيمان، ويمنح المشاهد فهماً أكثر ثراء وتعقيداً لتجربة التعايش بين العالمين: عالم الأسرة والتقاليد من جهة، وعالم الحرية الفردية والمجتمع الفرنسي من جهة أخرى. "البنت الصغيرة الأخيرة" يوقظ القناعة بأن طريق المصالحة مع الذات، مهما بدا وعِرًا، هو في النهاية أروع انتصار لأي إنسان يبحث عن معنى حياته.