يستعد مهرجان فاس للموسيقى الروحية في نسخته التاسعة والعشرين للعودة إلى واجهة المشهد الثقافي المغربي بين الرابع والسابع من يونيو المقبل، بعد دورة سابقة امتدت تسعة أيام في مايو 2025 وشكّلت مرحلة انتقالية في تاريخ هذه التظاهرة الدولية التي تُعد من أبرز المواعيد الثقافية في المملكة والمنطقة. تشير المعطيات المتوفرة إلى أنّ البرمجة الجديدة ستكون مكثّفة زمنياً وأكثر تركيزاً من الدورات السابقة، مع الحفاظ على طموح الانفتاح على جمهور واسع، مغربي ودولي على حدّ سواء
وتوضح المعلومات الصادرة عن مؤسسة «روح فاس»، المشرفة على المهرجان، أنّ دورة 2026 ستُنظَّم تحت شعار جامع يتمحور حول مكانة «المعلّمين» والحرفيين الكبار في المدينة القديمة، حيث اختير محور «فاس والمعلّمين، حرّاس الفعل والتراث» خيطاً ناظماً لمختلف الفعاليات الفنية والفكرية المبرمجة. يندرج هذا الاختيار في سياق إبراز الدور التاريخي الذي اضطلع به صُنّاع فاس التقليديون في بناء معالم المدينة، وصيانة عمرانها، وضمان استمرارية مهارات يدوية متوارثة ارتبطت بهويتها الروحية والثقافية عبر القرون.
وتفيد هذه المصادر بأن المهرجان يعتزم تسليط الضوء على «المعلّمين» بوصفهم فاعلين مركزيين في حفظ التوازن بين البعد الجمالي والبعد الروحي للمدينة، من خلال استحضار مساهماتهم في تشييد المعالم الكبرى لفاس وفي صون طابعها العمراني المميّز. لا يقتصر الأمر على إبراز الحرفة في بعدها التقني، بل يمتد إلى قراءة دورها في تشكيل النسيج الاجتماعي والرمزي للمدينة، حيث يقدَّم الحرفيون الكبار كوسطاء بين ذاكرة المكان وتحولاته الحديثة، عبر ما راكموه من خبرات وما نقلوه من معارف للأجيال الجديدة داخل فضاءات المدن العتيقة
وبينما لم يُكشف بعد عن البرنامج التفصيلي لدورة يونيو 2026، تشير مؤسسة «روح فاس» إلى أنّ الإعلان عن أسماء الفنانين، والوفود المشاركة، والندوات الفكرية، سيتم في الأسابيع المقبلة، مع الحفاظ على الصيغة التي تجمع بين العروض الموسيقية واللقاءات الفكرية والأنشطة الموازية. هذا الغياب المؤقت للتفاصيل لا يحول دون رسم ملامح عامة للاتجاه الذي يسير فيه المهرجان، خاصة أنه يستند إلى تجربة تراكمية جعلته أحد الفضاءات القليلة التي تمزج بين الموسيقى ذات المرجعية الروحية والاهتمام بقضايا التراث غير المادي والحوار بين الثقافات
وتستند القراءة الأولية لسياق هذه الدورة إلى ما شهدته النسخة السابقة التي عُقدت بين 16 و24 مايو 2025 تحت شعار «النهضات» كما عرّفتها مواد تعريفية صادرة عن معهد فرنسا بالمغرب ومصادر إعلامية أخرى، حيث استضافت حينها أكثر من مئتي فنان من خمسة عشر بلداً، في برمجة امتدت لتسعة أيام. ساهم هذا الزخم في إعادة ترسيخ صورة المهرجان كمنصة مفتوحة على تجارب موسيقية متنوعة، تستلهم المرجعيات الروحية الصوفية والإنشادية والطقسية من جغرافيات مختلفة، مع حضور واضح للفنانين المغاربة إلى جانب ضيوف من آسيا، وإفريقيا، وأوروبا، وأميركا اللاتينية
وقد راكمت دورات المهرجان خلال العقود الماضية صورة حدث ثقافي دولي يقدَّم عادة كفضاء لتثمين قيم التعايش والتسامح من خلال الموسيقى، وهو ما تؤكده الأدبيات التعريفية الصادرة عن الجهات المنظمة وعدد من المؤسسات السياحية والثقافية التي تروّج لفاس كعاصمة روحية للمملكة، كما يظهر في بيانات فنادق ودور ضيافة تخصّص فقرات للتعريف بالمواعيد الثقافية الكبرى في المدينة.
وتمنح عودة المهرجان في صيغة مكثفة تمتد أربعة أيام فقط في يونيو 2026، بعد دورة طويلة نسبياً في 2025، مؤشراً على رغبة في إعادة ضبط إيقاع التظاهرة وتكييفها مع رهانات تنظيمية ومالية ولوجستية جديدة، مع الحفاظ على حضورها ضمن الأجندة الثقافية الوطنية في فترة تعتبر بداية ذروة الموسم السياحي بالمغرب. كما ينسجم التركيز على «المعلّمين» والحرفيين مع الاهتمام المتزايد بقضايا التراث اللامادي في السياسات الثقافية المغربية، ومع مبادرات أخرى تشهدها مدن عتيقة مختلفة، في اتجاه ربط الفعل الفني والموسيقي بأسئلة حفظ الذاكرة الحضرية وتحولات الاقتصاد المحلي المرتبط بالحِرَف التقليدية
في ضوء ذلك، تبدو دورة يونيو المقبل مرشحة لتأكيد استمرارية المهرجان داخل مشهد ثقافي مغربي يشهد تنافساً متزايداً بين تظاهرات فنية وموسيقية في مدن متعددة، مع استمرار الرهان على فاس كإطار رمزي يمنح للموسيقى الروحية امتداداً يتجاوز بعد الفرجة نحو أسئلة الهوية والتراث والحوار الثقافي. وينتظر الفاعلون الثقافيون والمهتمون بالموسيقى الروحية الإعلان عن تفاصيل البرمجة لمعرفة كيف ستترجم هذه الشعارات إلى عروض فنية وأمسيات موسيقية، وإلى أي مدى ستنجح الدورة التاسعة والعشرون في استثمار موضوع «المعلّمين» لتجديد صلة الجمهور بمدينة عتيقة تتقاطع فيها طبقات التاريخ مع تحولات الحاضر.

