في مقاربة فكرية تنتمي إلى تقاليد التعليم الاجتماعي الكاثوليكي، تقدم الباحثة في الأخلاقيات اللاهوتية في جامعة ماركيت كيت وورد في كتابها الجديد Making a Life قراءة مغايرة لفكرة العمل، تتجاوز الحصر الضيق في الوظيفة والدخل، نحو تصور أوسع للحياة العملية بوصفها مجالاً لتشكل الإنسان بكامله ولتحقق كرامته وعلاقاته ومسؤوليته تجاه الآخرين. ينطلق الكتاب من سؤال محوري حول كيفية فهم العمل في زمن تتزايد فيه هشاشة الوظائف، وانتشار أنماط عمل غير مستقرة، وتنامي الإحساس بعدم الأمان المادي والمعنوي لدى فئات واسعة من العاملين.
تستند وورد إلى تراث التعليم الاجتماعي الكاثوليكي الذي يركز على كرامة الشخص البشري، والحق في العمل اللائق، وأولوية العامل على منطق السوق، لكنها تعيد ترتيب هذه المبادئ في إطار تحليلي يدمج بين الاقتصاد والأخلاق والخبرة المعيشة للعاملين. فالعمل في رؤيتها ليس مجرد نشاط مأجور، بل جزء من مشروع حياة، يرتبط بالأسرة والمجتمع والزمن الحر والتطوع، وبالقدرة على تنمية الذات والمعنى، ما يجعل تقييم عدالة العمل غير قابل للاختزال في الأجور أو الإنتاجية وحدها. ويستعيد الكتاب جملة من الوثائق الكنسية الكلاسيكية والحديثة، من قبيل الرسائل الاجتماعية البابوية، ليقترح إعادة قراءتها على ضوء التحولات الراهنة في أسواق العمل الرقمية والاقتصاد المرن والعمل عن بعد.
واحدة من النقاط التي يشدد عليها الكتاب هي التمييز بين النظر إلى الإنسان باعتباره “عاملاً” أو “موظفاً” وبين النظر إليه كشخص كامل له احتياجات وعلاقات متعددة لا تختزل في الدور المهني. هذا التحول في زاوية النظر يسمح، بحسب وورد، بإعادة الاعتبار لأبعاد غالباً ما تم تهميشها في النقاش العام حول السياسات الاجتماعية وسوق الشغل، مثل قيمة الأعمال غير المأجورة داخل الأسرة، والاعتناء بالآخرين، والعمل المجتمعي، وكلها مجالات تسهم في “صنع حياة” أكثر مما تسهم في “صنع وظيفة”. ومن خلال هذه المقاربة تسعى الكاتبة إلى ربط العدالة المهنية بالعدالة العائلية والاجتماعية، بحيث يصبح الحديث عن حقوق العمال متداخلاً مع نقاش أوسع حول شروط حياة كريمة في المجتمع ككل.
يولي الكتاب أهمية خاصة لمسألة الوقت، سواء من حيث توزيع الساعات بين العمل المأجور والحياة الخاصة، أو من حيث التوتر بين ضغط الإنجاز ومتطلبات الراحة والعلاقات الإنسانية. وتجادل وورد بأن عدم التوازن الزمني لا ينعكس فقط في الإرهاق أو الاحتراق النفسي، بل يمتد إلى تآكل قدرة الأشخاص على المشاركة في الحياة الجماعية والتطوع والعمل السياسي والمجتمعي، وهي مجالات يعتبرها التعليم الاجتماعي الكاثوليكي جزءاً من مسؤولية المؤمن تجاه الصالح العام. ومن هنا، تقترح الكاتبة التفكير في سياسات العمل لا على أساس إنتاجية الشركات فقط، بل أيضاً بناءً على ما تتيحه أو تحجبه من إمكانات لحياة اجتماعية غنية ومتوازنة للعاملين.
على مستوى المنهج، يمزج الكتاب بين التحليل اللاهوتي والنقاش الفلسفي والرجوع إلى الشهادات والخبرات المعاشة، ما يمنحه طابعاً قريباً من هموم القراء غير المتخصصين مع الحفاظ على عمق نظري واضح. ويُقدَّم العمل في مراجعات صحفية متخصصة بوصفه إسهاماً “مفيداً وتحدياً” للنقاشات الجارية في الأوساط الكنسية والأكاديمية حول تحديث قراءة التعليم الاجتماعي الكاثوليكي بما يتناسب مع واقع الأجيال الجديدة من العاملين، الذين يعيش كثير منهم بين عقود قصيرة الأمد، ووظائف مؤقتة، وهويات مهنية متغيرة. كما يفتح الكتاب باب النقاش أمام حوار بين الرؤية الدينية للعمل وبعض المقاربات الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة، سواء المؤيدة أو المنتقدة لمنطق السوق الحر، من دون السقوط في تبسيط أو تقابل ثنائي حاد.
وتبرز في خلفية هذا العمل أسئلة تتصل بالعلاقة بين العدالة المهنية والتحولات التقنية، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي وتبدل أنماط الإنتاج، وإن لم يكن ذلك محوراً مباشراً للكتاب، إذ تُستعاد مبادئ مثل أولوية العمل على رأس المال وحق العمال في التنظيم والحماية من الاستغلال، مع محاولة إسقاطها على واقع يتسم بسرعة التغير وضعف الاستقرار. وفي هذا الإطار، يبدو أن مساهمة وورد تتمثل في إعادة صوغ لغة التعليم الاجتماعي الكاثوليكي بحيث تصبح أكثر قدرة على مخاطبة عامل اليوم، لا من زاوية الوعظ الأخلاقي، بل من خلال تحليل ملموس لشروط العيش والعمل والكرامة، وربط ذلك بمفهوم “صنع حياة” كاملة المعنى، تتقاسم فيها المسؤوليات بين الفرد والمؤسسات والدولة والجماعة الدينية.


