شهدت مناطق مسيحية في العراق مشهداً دينياً لافتاً مع احتفال نحو ألف طفل وطفلة بالمناولة الأولى، في مؤشر على عودة الحياة الكنسية وتماسك الجماعات بعد أحد عشر عاماً على تهجير تنظيم داعش مسيحيي الموصل وسهل نينوى. الحدث أعاد تسليط الضوء على مسار التعافي البطيء والممتد للمسيحيين العراقيين، الذين واجهوا موجات عنف ونزوح وأزمات اقتصادية وأمنية منذ عام 2014
تنقل تقارير ميدانية شهادات من مختلف الطوائف والمناطق، بينها السريان الكاثوليك الذين تعرضوا عام 2010 لهجوم دموي أوقع عشرات الضحايا بينهم كاهنان. ويؤكد رئيس أساقفة الكنيسة السريانية الكاثوليكية في الموصل، بندكتوس يونان حنّو، أن الحضور الكنسي المتجدد يعبّر عن إصرار العائلات على البقاء في أرضها، وصون الإيمان ونقله إلى الجيل الجديد الذي «نشأ في أسر مستقرة وموحّدة ومتفانية». هذا الخطاب يجد صداه في ملامح يومية لصمود اجتماعي وثقافي، من إعادة تأهيل الكنائس والمدارس إلى تنشيط الأنشطة الرعوية والتعليم الديني.
يأتي هذا التطور بينما لا تزال البنية التحتية في عدد من البلدات المسيحية تتعافى من آثار الحرب، وسط تفاوت في وتيرة العودة بين المناطق. فبعض المدن شهدت نسب عودة ملحوظة، مدفوعة بتحسن نسبي في الأمن وخدمات أساسية أعيد تشغيلها، فيما لا تزال مناطق أخرى تعاني تراجعاً في فرص العمل وتباطؤاً في إعادة الإعمار، ما يدفع عائلات إلى خيارات هجرة داخلية أو خارجية. على الرغم من ذلك، تسعى الكنائس المحلية إلى سد الفجوات عبر مبادرات تعليمية ورعوية، وشراكات مع منظمات إغاثية لتنشيط الخدمات الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر هشاشة.
الاحتفال بالمناولة الأولى يحمل دلالة دينية واجتماعية متداخلة: فهو من جهة علامة على استمرارية الطقس المسيحي في سياق محلي عصيب، ومن جهة أخرى مؤشر على استقرار نسبي يمكّن الأسرة والمدرسة والكنيسة من مرافقة الأطفال في مسار التعليم الديني. كما يعكس قدرة المجتمع على بلورة مساحة أمان رمزية وواقعية بعد سنوات من الانقطاع والتهجير، بما يعزز شعور الانتماء ويحدّ من نزعات الهجرة لدى الأجيال الناشئة.
على المستوى الأوسع، يقتضي تثبيت هذا المسار استمرار تحسين الظروف المعيشية والأمنية، ودعم مبادرات إعادة الإعمار وخلق فرص العمل، بما يضمن بقاء العائلات وتوازنها. كما أن صون التعددية الدينية والثقافية في العراق يتطلب سياسات عامة تشجع على المشاركة المحلية، وتكافح خطاب الكراهية، وتؤمّن حماية فعلية لدور العبادة والمؤسسات التعليمية.


