يُعدّ عيد كاسوغا ماتسوري، المعروف أيضاً باسم “مهرجان القرد”، من أقدم الطقوس الشنتوية المرتبطة بعلاقة النبلاء اليابانيين بالآلهة الحامية للعاصمة القديمة نارا. يُقام يوم 13 مارس من كل عام في ضريح كاسوغا تايشا، الضريح العائلي لأسرة فوجي瓦را التي هيمنت على الحياة السياسية في مرحلتي نارا وهييآن. هذا الموعد عشوائياً؛ فالاحتفال كان يُقام تقليدياً في أول “يوم قرد” من الشهر وفق التقويم القمري القديم. ثم ثُبّت تاريخياً في العصر الحديث على الثالث عشر من مارس، مع الإبقاء على رمزية “القرد” في اسم المهرجان وهويته الشعائرية.
تعود جذور الضريح إلى سنة 768 للميلاد حين أُنشئ في سفح جبل ميكاسا استجابةً لرواية أسطورية تفيد بأن الإله تاكيميكازوچي وصل ممتطياً ظَهْر غزال أبيض لحماية العاصمة. هذا ما جعل كاسوغا تايشا مقرّاً للآلهة الحامية ولأسلاف أسرة فوجي瓦را في آن واحد. ومع صعود نفوذ هذه الأسرة، تحوّل الضريح من مزار عائلي إلى مركز ديني كبير يرتبط بالبلاط الإمبراطوري والنبلاء. وتكرّست داخله عبادة عدد من الكامي، من بينهم تاكيميكازوچي وفوتسونوشي بوصفهما حاميي العائلة، وأمينو كويانو بوصفه السلف الإلهي لهذه السلالة. بسبب هذا التداخل بين السلطة السياسية والشرعية الدينية، اكتسبت المراسم، ومنها كاسوغا ماتسوري، بعداً واضحاً كطقوس لاستحضار أسلاف فوجي瓦را وطلب الحماية والرخاء للبلاد.
طقس كاسوغا ماتسوري بين الاحتفال الموسمي والحضور القوي للذاكرة الأرستقراطية. ففي هذا اليوم تُقام في رحاب الضريح عروض موسيقى القصر الإمبراطوري (غاغاكو) والرقصات الكلاسيكية (بوغاكو)، وهي فنون تعود إلى بلاط هييآن وتُقدَّم هنا كقربان جمالي للآلهة. ما يذكّر بزمن كانت فيه الثقافة الموسيقية جزءاً من التعبير السياسي والديني للنخبة الحاكمة. كما تحيط بالموقع آلاف الفوانيس الحجرية والبرونزية التي نُصبت على مدى قرون عبر نذورات المصلّين. ما يمنح المهرجان بُعداً بصرياً وروحياً يربط بين عبادة الآلهة وذاكرة الأجيال المتعاقبة التي ساهمت في تزيين الضريح.
في خلفية هذا المهرجان، تحضر أيضاً فكرة الازدواج الديني التي طبعت تاريخ نارا. فقد عُدّت آلهة كاسوغا، في فترات طويلة من العصور الوسطى، تجلياتٍ لبوذات معيّنين ضمن إطار ما يُعرف بمبدأ “هونجي‑سويجاكو” الذي يُفسّر الكامي الشنتويين بوصفهم مظاهر محلية لحقيقة بوذية متعالية. كما أُديرت بعض الأعياد الكبرى، مثل مهرجان واكاميّا أونماتسوري في نطاق نفس المجمع الديني، تحت إشراف معبد كوفوكوجي البوذي المتصل بأسرة فوجيوارا. ما جعل طقوس كاسوغا جزءاً من شبكة واسعة تجمع بين الشنتوية والبوذية، وبين السلطة الدينية والطبقة الأرستقراطية في العاصمة القديمة.
يمكن قراءة كاسوغا ماتسوري اليوم بوصفه نقطة التقاء بين التقويم الديني التقليدي والحياة المعاصرة في اليابان، انطلاقاً من هذه الخلفية. فهو يحافظ على يوم محدد في السنة بحسب التقويم الغريغوري الحديث، لكنه يظل مشبعاً بدلالات “يوم القرد” في النظام الزمني القديم، وباستحضار أسلاف فوجي瓦را في سياق سياحي وثقافي مفتوح لزوار نارا من اليابان والعالعالم. في هذا المعنى لا يقتصر المهرجان على كونه احتفالاً محلياً، بل يمثل نموذجاً لكيفية استمرار الطقوس المرتبطة بالتقويمات الدينية في اليابان كوسيلة لقراءة الماضي، وفهم تحالف الدين والسياسة، وإعادة إدماج هذه الذاكرة في مشهد ثقافي حديث تُجاور فيه القداسة مسارات الترفيه والسياحة الدينية.

