يوافق عيد هاناماتسوري في اليابان اليوم الثامن من شهر أبريل وفق التقويم الميلادي، ويُعد من أهم المناسبات البوذية التي تُحيي ذكرى ميلاد بوذا التاريخي شاكاموني ضمن التقليد المهاياني في شرق آسيا. يحتل هذا اليوم مكانة خاصة في التقويم الديني الياباني، إذ نُقل تاريخ الاحتفال من اليوم الثامن من الشهر الرابع في التقويم القمري إلى 8 أبريل مع اعتماد التقويم الغريغوري خلال عصر مييجي، ما ثبّت طقساً كان في الأصل متنقلاً تبعاً لدورة الشهور القمرية. هذا التثبيت الزمني يعكس تكيّف المؤسسة الدينية البوذية مع الدولة الحديثة، مع الحفاظ على مضمون رمزي يعود إلى قرون طويلة من الممارسة في الصين وكوريا وغيرها من المجتمعات البوذية الآسيوية.
يحمل اسم هاناماتسوري معنى “عيد الأزهار”، وهو تعبير يتقاطع فيه المناخ الطبيعي مع المخيال الديني، إذ يتزامن الاحتفال في اليابان مع ذروة تفتح أزهار الكرز في مناطق واسعة مثل كانتو، لتصبح الزهور عنصر الخلفية البصرية والرمزية لعيد ديني يرتبط أصلاً بحقول لومبيني، الموضع الأسطوري لميلاد بوذا في التقاليد البوذية. تشير مصادر يابانية معاصرة إلى أن التسمية الحديثة “عيد الأزهار” ترسخت في بدايات القرن العشرين، بينما ظل الاسم الطقسي التقليدي كانبوتسو–ئي مستخدماً داخل الأطر المعبدية، ومعناه الحرفي “اجتماع لسقي بوذا”، في إشارة مباشرة إلى فعل سكب السائل المقدس على تمثال الطفل بوذا خلال المراسم الدينية.
جوهر الاحتفال يتجسد في فضاء معبدي خاص يُعرف باسم “هانا–ميدو” أو “جناح الأزهار”، وهو هيكل صغير يقام أمام أحد أجنحة المعبد، يُزيَّن بكثافة بالورود ويحتضن تمثالاً صغيراً لبوذا الطفل واقفاً في إناء مملوء بسائل احتفالي. هذا التركيب البصري يجمع بين ثلاثة مستويات من الدلالة: الأزهار التي تستدعي فكرة الولادة الجديدة والخصب، التمثال الذي يرمز إلى لحظة الميلاد الأولى في سيرة بوذا، والسائل الذي يُسكب عليه، والذي يعيد إنتاج طقس “تحميم” الوليد في صورة دينية ذات أبعاد علاجية وروحية في آن واحد. تشير روايات بوذية متداولة في اليابان إلى أن هذا الطقس انتقل من البلاط الإمبراطوري إلى عامة الناس في القرن السابع، واستمر في الانتشار حتى أصبح جزءاً من الممارسات الشعبية المرتبطة بالتقويم البوذي السنوي.
في المستوى الأسطوري، تُقدَّم ولادة بوذا ضمن مشهد كوني يتجاوز التسجيل التاريخي البسيط. تذكر الروايات الشائعة في اليابان وشرق آسيا أن بوذا وُلد وسط حقل من الأزهار وتحت “مطر من الزهور” تتساقط من السماء بفعل كائنات سماوية، وهي الصورة التي تفسر التراكم الكثيف للورود حول المذابح في عيد هاناماتسوري. كما تروى قصة الأفيال البيضاء التي ظهرت في حلم أم بوذا لحظة الحمل، ما يفسر بدوره حضور رموز الفيل الأبيض في بعض المعابد خلال الاحتفال. وإلى جانب ذلك، تحكي نصوص أخرى أن تنينين أو “ملوك التنين” أنزلا مطراً دافئاً حلواً لاستقبال المولود، وهي رواية تستخدم لتبرير سكب شراب حلو على تمثال الطفل بوذا، حيث يتحوّل السرد الأسطوري إلى طقس ملموس يتكرر كل عام فوق أراضي المعابد اليابانية. هذه القصص لا تُقدَّم عادة كوقائع تاريخية، بل كإطارات تخييلية تمنح الطقس معنى تجاوزياً يربط بين السماء والأرض وبين عالم البشر والكائنات السماوية.
الشراب الذي يُستخدم في هاناماتسوري يحمل أيضاً دلالاته الخاصة، ويتنوع بين ما يقدم على أنه شاي حلو أو شراب عشبي مرتبط بتقاليد الشفاء في شرق آسيا. في اليابان، يُستعمل في الغالب شراب يُسمى “أماتشا”، وهو منقوع نباتي حلو الطعم يُحضّر من أوراق نوع من الكوبية، ويُسكب على تمثال بوذا الطفل بوصفه إعادة تمثيل لحمّام الولادة الذي ذكرته الروايات البوذية، ثم يجري توزيعه على الزوار للاعتقاد بامتلاكه خصائص علاجية وبركة روحية. في نصوص أخرى، يُشار إلى استعمال شراب حلو من الأرز المخمر أو الشاي العشبي بالزهور، بما في ذلك شاي الأقحوان في سياقات صينية، ما يربط الطقس بمجال أوسع من ممارسات الطب التقليدي في آسيا حيث يتداخل البعد الصحي بالبعد الروحي في مشروب واحد. في كل الحالات، تتحول لحظة الشرب إلى فعل استحضار رمزي لميلاد بوذا وإلى ممارسة جماعية يشارك فيها المصلون عبر تذوق السائل الذي سُكب على التمثال.
مكانة الأزهار في هذا العيد تتجاوز بعدها الجمالي لتلامس تصوراً بوذياً عن الزمن والحياة. فالاحتفال يقام في عزّ فصل الربيع الياباني، حين تكون الطبيعة في أوج تفتحها، ما يتيح ربط ميلاد بوذا بفكرة الانبعاث الدوري للكائنات وبالتجدّد الموسمي الذي يعيد تشكيل المنظر الطبيعي كل عام. في هذا السياق، تصبح الأزهار تجسيداً لمفهوم عدم الدوام، إذ تُعرض بأبهى صورة في “جناح الأزهار” لفترة محدودة، قبل أن تذبل وتتلاشى، في تذكير ضمني بنهج بوذا الذي يربط المعاناة بالتشبث بما لا يدوم. ربط ميلاد شخصية دينية مؤسسة بمشهد ربيعي قصير العمر يسهم في ترسيخ فكرة أن الظهور في العالم، مهما كان استثنائياً، يظل خاضعاً لقانون الزوال والتحول الذي يحكم كل ما هو حي.
مقارنةً بمناسبات بوذية أخرى في آسيا، يمكن القول إن هاناماتسوري يمثل الوجه الياباني لطقس “حمّام بوذا” المعروف في الصين وفي مجتمعات بوذية أخرى. في الصين، يجري الحديث عن “عيد حمّام بوذا” بوصفه لحظة يغسل فيها المؤمنون تماثيل بوذا الطفل بماء عطري أو شاي عشبي، ثم يحتفظون بما تبقى من السائل لاعتباره ذا خصال علاجية وواقية، وهو ما يلتقي مع الممارسة اليابانية الخاصة بجمع السائل المسكوب وشربه أو رشه طلباً للبركة. غير أن اليابان اختارت تثبيت تاريخ الاحتفال في 8 أبريل وفق التقويم الغريغوري، على عكس بعض البلدان التي ما تزال تعتمد التاريخ القمري المتغير، ما يجعل الحدث في اليابان أكثر ارتباطاً بدورة السنة المدنية الرسمية، ويضعه في تداخل مباشر مع إيقاع المجتمع المعاصر والعمل والدراسة.
رغم أن هاناماتسوري لا يحظى دائماً بحضور جماهيري كبير أو طابع استعراضي مقارنة بالمهرجانات الشنتوية أو الأعياد ذات البعد السياحي الواضح، فإنه يواصل أداء دور هادئ في الحياة الدينية اليابانية بوصفه مناسبة للتذكير بأصل السيرة البوذية ولتعليم الأطفال قصة ميلاد بوذا عبر مشاركتهم في صب الشاي على التمثال أو في مواكب الأطفال التي تنظمها بعض المعابد. في بعض المدن، يُستدعى هذا العيد أيضاً في برامج الترويج الثقافي والسياحي، حيث يُقدّم كجزء من فسيفساء الربيع الياباني الذي يجمع بين أزهار الكرز والممارسات الدينية والفنون التقليدية. وهكذا يتعايش هاناماتسوري مع السياقات المعاصرة، من دون أن يفقد مكانته بوصفه لحظة يعاد فيها وصل التقويم الديني بالتقويم الطبيعي، ويُعاد عبرها سرد الأسطورة المؤسسة لميلاد بوذا بصيغة طقوسية قابلة للاستمرار في مجتمع حديث.


