نشرة سُبْحة #19

أضيف بتاريخ 04/07/2026
دار سُبْحة

تحية طيبة لكل قرّاء «سُبْحة». في هذا العدد نتابع تداخل الدين والحرب في إيران، والزيارة التاريخية المرتقبة للبابا إلى الجزائر، وروحانية المواسم الصوفية في المغرب، إلى جانب نقاشات دولية حول توظيف الخطاب الديني في الحروب المعاصرة.




1. غارات على طهران تُدمّر كنيسًا يهوديًا بالكامل

ذكرت وسائل إعلام إيرانية أن كنيسًا يهوديًا في طهران تعرّض لدمار كامل جراء الغارات الأميركية الإسرائيلية التي استهدفت العاصمة فجر الثلاثاء، في تصعيد جديد للحرب الدائرة منذ أسابيع. وبحسب صحيفة «شرق» ووكالة «مهر»، فإن كنيس «رافي نيا» الواقع في منطقة فلسطين وسط طهران دُمّر بالكامل أو تعرّض لأضرار جسيمة بعد سقوط مقذوف ضمن قصف طال حيًّا سكنيًا يضم دور عبادة ومبانٍ تاريخية.

اللافت في الحادث أن اليهودية تُعد ديانة معترَفًا بها رسميًا في إيران، حيث يعيش ما بين 8 و10 آلاف يهودي، يتركز أكثر من نصفهم في طهران، ما يجعل استهداف كنيس يهودي في سياق حرب بين الولايات المتحدة/إسرائيل وإيران رسالة رمزية بالغة الحساسية دينيًا وسياسيًا. الخطاب الإيراني الرسمي حاول توظيف الواقعة للتأكيد أن العدوان يستهدف «عموم الشعب الإيراني بكل أطيافه»، وأن القصف «لم يفرّق بين مسلم ويهودي» في استهدافه لك places of worship والبنى المدنية.

بالنسبة للتغطية الغربية والإقليمية، ركزت وسائل إعلام عربية ودولية على البعد الإنساني والديني للحادث، مبرزة أن الكنيس يقع في قلب حيّ مدني، وأن تدميره يطرح أسئلة إضافية حول احترام قوانين الحرب وحماية أماكن العبادة في النزاعات المسلحة. في المقابل، لم يصدر حتى الآن موقف تفصيلي من الجانب الأميركي والإسرائيلي عن استهداف الكنيس تحديدًا، واكتفى الجيش الإسرائيلي بالإشارة إلى ضرب مطارات ومنشآت عسكرية في طهران ضمن ما يصفه بعمليات «دفاعية واستباقية» ضد القدرات الإيرانية. هذا التطور يعمّق البعد الديني في حرب ذات طابع جيوسياسي، ويغذي مخاوف الأقليات الدينية من تحوّلها إلى ضحايا جانبية في صراع لا تملك فيه صوتًا أو قرارًا.


2. عنابة تستعد لزيارة البابا لاوون الرابع عشر: القديس أوغسطينوس جسر بين الجزائر والفاتيكان

عنابة، مدينة القديس أوغسطينوس على المتوسط، تتحول إلى ورشة مفتوحة استعدادًا لأول زيارة في تاريخ الجزائر لرأس الكنيسة الكاثوليكية، البابا لاوون الرابع عشر، المقررة من 13 إلى 15 أبريل، مع محطة مركزية في كنيسة القديس أوغسطينوس في عنابة يوم 14 أبريل. الأب فريد ويكيسا، رئيس الكنيسة، يصف الزيارة بأنها «رسالة قوية للاعتراف» بالأقلية المسيحية في الجزائر، التي يعتبرها «قطيعًا صغيرًا» لكنه ليس منسيًا.

التحضيرات تشمل ترميم الكنيسة، طلاء الجدران، تلميع التماثيل، وتجميل الطرق والمساحات العامة المحيطة بالموقع الأثري الذي يحتضن حفريات كنيسة السلام القديمة حيث بدأ القديس أوغسطينوس نشر فكره، في تذكير رمزي بجذور المسيحية المبكرة في شمال إفريقيا.القديس أوغسطينوس، المولود عام 354 في طاغست (سوق أهراس حاليًا) والذي توفي في هيبون (عنابة) عام 430، يُستعاد اليوم كجسر روحي وثقافي بين الجزائر والفاتيكان، خصوصًا أن البابا لاوون الرابع عشر ينتمي إلى رهبانية أوغسطينية ويقدّم نفسه كأحد «أبناء» أوغسطينوس.

جزائريون من خلفيات مسلمة وعلمانية يتوافدون إلى الكنيسة باعتبار أوغسطينوس «ابن البلد» ورمزًا عالميًا، ما يمنح الزيارة بعدًا وطنيًا يتجاوز حدود الطائفة المسيحية.الرئيس عبد المجيد تبون يتابع التحضيرات شخصيًا، ويعتبر أن زيارة البابا «ستفتح آفاقًا جديدة للتعاون» وتُظهر «الوجه الحقيقي للجزائر» بعد عقود من حصر صورتها في «العشرية السوداء».بالنسبة للشباب المسيحيين الأفارقة المقيمين في الجزائر (طلبة وعاملون)، تشكل الزيارة «فرصة فريدة» للقاء البابا، وتعميق حوار يومي فعلي بين المسيحيين والمسلمين في فضاء واحد، ما يعكس نموذجًا محتملاً للتعايش المتوسطي في زمن الاستقطاب الديني.


3. انطلاق موسم الزاوية الرجراجية بالصويرة: روحانية «الدور» بين السيرة النبوية والهوية المحلية

انطلقت بضريح سيدي علي بن بوعلي بالجماعة القروية سيدي علي الكراتي فعاليات الموسم السنوي للزاوية الرجراجية، أحد أبرز المواسم الدينية الصوفية في جهة مراكش–آسفي، بحضور عامل إقليم الصويرة وشخصيات مدنية وعسكرية ونقيب زوايا الشرفاء الرجراجيين.الحفل الافتتاحي تخللته تلاوات قرآنية وأمداح نبوية ومداخلات علمية أبرزت خصوصية هذا الموسم الذي يمتد على 38 يومًا عبر 44 مرحلة، في جولة روحية تعرف باسم «الدور» تشمل مناطق الشياضمة شمالًا وحاحا جنوبًا.

دورة هذا العام تكتسي طابعًا استثنائيًا لأنها تتزامن مع الاحتفاء بمرور 15 قرنًا على ميلاد النبي محمد، تنفيذًا للتعليمات الملكية السامية، ما أضفى على الموسم بعدًا وطنيًا إضافيًا يربط بين الذاكرة المحلية والسيرة النبوية. نقيب الزوايا الرجراجية أكد أن ندوة علمية بعنوان «موسم رجراجة في أفق الاحتفاء بالسيرة النبوية .. تجديد للمعنى وبناء للإنسان» سعت إلى إعادة قراءة الموسم كفضاء لتجديد المعنى الروحي، لا مجرد طقس احتفالي تقليدي.

الباحث في الفكر الإسلامي والتصوف، مولاي المهدي منصور، شدد على أن الموسم اليوم ليس مجرد احتفال ديني، بل فرصة لاستحضار قيم الرحمة والتعاون والعدل وحسن العمل، وربطها بأسئلة بناء الإنسان المتوازن المتمسك بهويته في زمن التحولات. إلى جانب الطقوس الروحية، يشهد الموسم عروض فروسية (تبوريدة)، وجولات «الركب» بين الزوايا، وأهازيج شعبية تعكس غنى التراث المحلي، في مشهد يمزج بين الروحانية والاقتصاد الاجتماعي، حيث يستفيد التجار والحرفيون والسكان من حركية الزوار، في نموذج حيّ لكيفية استمرار الزوايا والمواسم في تشكيل جزء من البنية الدينية–الثقافية بالمغرب.


4. اللاهوت في قلب الحرب على إيران: بين صلوات للعنف ودعوات لحظر القصف الجوي

الجدل الديني حول الحرب على إيران يتجاوز حدود طهران ليصل إلى واشنطن وروما وشاشات الإعلام الغربي. موقع Truthout نشر تقريرًا عن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسِث، المعروف بنزعاته «القومية المسيحية»، دعا خلال قداس شهري في البنتاغون إلى «عنف جارف» ضد «أعداء» الولايات المتحدة في إيران وغيرها «باسم يسوع المسيح»، مقتبسًا نصوصًا كتابية لتبرير العنف بلا رحمة. التقرير يربط بين هذا الخطاب وبين ما يسميه صعود لاهوت حربي داخل جزء من المؤسسة العسكرية الأميركية، يقدّم الحرب على إيران كامتداد «حديث» لفكرة الحروب الصليبية، في مقابل تحذيرات منظمات دينية وحقوقية من انزلاق نحو تبرير عنف ديني–هويّاتي.

في المقابل، يتخذ البابا لاوون الرابع عشر موقفًا معاكسًا، إذ دعا هذا الأسبوع إلى وقف كل أعمال العنف في الشرق الأوسط، وذهب أبعد بالدعوة إلى حظر عالمي للقصف الجوي، قائلًا إنه «بعد تجارب القرن العشرين المأساوية، كان يجب أن يُحرَّم القصف من السماء إلى الأبد». هذا التباين بين خطاب مسيحي قومي يشرعن الحرب وخطاب كاثوليكي كوني يجرّم أدواتها يعكس صراعًا لاهوتيًا داخل المسيحية نفسها حول معنى «العدالة» و«السلام» في زمن الحروب الحديثة.

في المشهد الإعلامي الأميركي والأوروبي، تتقاطع قراءات صحف ومنابر تحليلية (مثل The Telegraph وThe Times وغيرهما من الروابط المرفقة) حول أثر «لاهوت سيء» – بحسب بعض العناوين – في صياغة سياسة خارجية متهورة تجاه إيران، خصوصًا عندما يُستدعى قاموس «معركة الخير والشر» لتبرير تصعيد عسكري واسع. في برامج إذاعية وتلفزيونية (مثل ما تبثه BBC ورامج حوارية يمينية في الولايات المتحدة) يُستدعى الخطاب الديني أحيانًا لتأطير الحرب على إيران كاختبار إيماني أو صدام حضاري، بينما تنبّه أصوات أخرى إلى مخاطر شيطنة المسلمين والإيرانيين ككل، وتذكّر بانتهاكات لحقوق المسيحيين والأقليات الأخرى في ساحات صراع مختلفة، ما يكشف تناقضًا في توظيف «الدفاع عن المسيحيين» كذريعة انتقائية.

هذا الجدل يندمج مع وقائع ميدانية ذات طابع ديني – مثل تدمير كنيس يهودي في طهران – ليطرح سؤالًا مركزيًا على الإعلام الديني والروحاني: كيف يمكن تغطية الحروب حين تتحول المعابد والصلوات إلى جزء من مسرح العمليات والخطاب في آن واحد؟  



رقم اليوم

15 قرنًا

هو العدد الرمزي الذي يطبع هذا العام موسم الزاوية الرجراجية بالصويرة، في سياق الاحتفاء الوطني بمرور خمسة عشر قرنًا على ميلاد النبي محمد، ما يعيد ربط المواسم الصوفية بالسيرة النبوية في أفق «تجديد المعنى وبناء الإنسان» كما يؤكد الباحثون.



بورتريه اليوم

 القديس أوغسطينوس… ابن طاغست الذي يعود إلى عنابة

القديس أوغسطينوس (354–430) واحد من أبرز آباء الكنيسة في التاريخ المسيحي، وُلد في طاغست (سوق أهراس الحالية) وتربّى في بيئة أمازيغية–رومانية بشمال إفريقيا، قبل أن يصبح أسقفًا لهيبون (عنابة) حيث كتب «اعترافاته» و«مدينة الله» في قلب تحوّلات سياسية وروحية عنيفة مع سقوط الإمبراطورية الرومانية.بالنسبة لجزائريين اليوم، لا يُنظر إليه كرمز كنسي غربي فقط، بل كـ«ابن بلد» يختصر طبقات الهوية المتوسطية للجزائر، وهو ما يفسّر إقبال زوار مسلمين على كنيسة القديس أوغسطينوس للتعرف على إرثه عشية زيارة البابا.

تاريخ أوغسطينوس يقدّم حالة مبكرة للتقاطع بين الفلسفة والدين والسياسة؛ فهو مفكر في حرية الإرادة والشر والعدالة، وأسقف يعيش وسط حروب وغزوات وهجرات، ما يجعل استعادته اليوم في عنابة مناسبة للتفكير في معنى العيش المشترك والسلام الديني في حوض المتوسط.في زمن تُستعمل فيه اللغة الدينية لتبرير الحروب، يمكن لإرث أوغسطينوس – بما فيه من توتر بين المدينة الأرضية و«مدينة الله» – أن يغذي نقاشًا معاصرًا حول حدود السياسة وسموّ الضمير الأخلاقي، وهي أسئلة تمسّ المؤمنين وغير المؤمنين على حد سواء.


 


شكراً لقراءتكم هذا العدد من «نشرة سُبْحة». نلتقي في العدد المقبل مع تغطيات جديدة عند تقاطع الدين والسياسة والثقافة، وفي انتظار ذلك، ابقوا قريبين من الأسئلة العميقة… ومن المصادر الموثوقة.