نشرة سُبْحة 71

أضيف بتاريخ 06/22/2026
دار سُبْحة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أعزاءنا القراء،

تحية متجددة لقراء «نشرة سُبْحة» — في هذا العدد، نُعمّق قليلاً زوايا القراءة لإبراز الخلفيات والسياقات التي تُغني فهم تحولات الدين في المغرب والعالم.



المواضيع المغربية

1. النموذج المغربي في تدبير الحقل الديني: من الداخل إلى التصدير

ترتكز الهندسة المؤسساتية لتدبير الشأن الديني في المغرب على ثلاثة أعمدة رئيسية يجمعها نظام إمارة المؤمنين: سمو هذه المؤسسة كمرجعية إسلامية عليا تستمد شرعيتها من الفقه المالكي، ودستور يكرّس إسلامية الدولة بصفة غير قابلة للتعديل، وشبكة من المؤسسات التطبيقية (وزارة الأوقاف، المجالس العلمية، معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات).

عملياً، يقوم النموذج على ثلاث دعائم عقدية ومذهبية: المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، التي يجسدها الملك محمد السادس بصفته أميراً للمؤمنين وضامناً للتوازن الديني والاجتماعي. أما على صعيد التصدير، فقد تحول معهد محمد السادس إلى أداة دبلوماسية دينية حقيقية: دول مثل السنغال ومالي وتشاد تبنت منهج المغرب في تأطير الحقل الديني عبر إرسال طلبتها للمعهد، فيما تشير تقارير دولية حديثة إلى أن المعهد تولى تدريب آلاف الأئمة من دول أفريقيا جنوب الصحراء وأوروبا لمواجهة الفكر المتطرف، خصوصاً في ظل المخاطر الأمنية القادمة من منطقة الساحل.

البعد التحليلي الذي يستحق التوقف عنده: هذا النجاح في التصدير يطرح سؤال "القابلية للنقل" — فالنموذج مبني على شرعية دينية–سياسية مركزية (إمارة المؤمنين) لا تتوفر بالضرورة في السياقات التي يُراد تصديره إليها، ما يجعل من المفيد التمييز بين تصدير "الأدوات التكوينية" (مناهج التدريس، تأهيل الأئمة) وتصدير "البنية المؤسساتية" ذات الطابع الخاص بالمغرب.

2. دار الطرب الغرناطي: حين يصبح التراث الصوفي سياسة ثقافية

في 20 يونيو 2026، أعلن المعهد الأكاديمي للفنون التابع لأكاديمية المملكة المغربية، بمناسبة الذكرى الثانية لوفاة الفنان أحمد بيرو، عن تأسيس "دار الطرب الغرناطي" بشراكة مع جمعية تأسست لصيانة إرث الراحل، رائد الصيغة الرباطية للطرب الغرناطي.

ما يُلفت في الخطاب التأسيسي للمشروع هو وصف الأمين الدائم للأكاديمية عبد الجليل لحجمري للغرناطي بأنه "ليس لوناً من الموسيقى الأندلسية في المغرب، بل صوت للذاكرة من غرناطة إلى الرباط"، وتشديده على أن "التراث لا يولد مرة واحدة، بل يولد أولاً في المكان الذي أنجبه، ثم في الأصوات التي تنقذه من النسيان". المشروع يتجاوز البعد الفني المحض، فأحمد بيرو نفسه — بحسب وصف المصدر — لم يتعامل مع الغرناطي "كتراث جامد، بل ككائن حي"، وعمل على تدوين الصيغة الرباطية، وإنشاء مجموعة صوتية نسوية، وترك رصيداً سمعياً وبصرياً واسعاً.

تحريرياً، هذا يندرج ضمن سياسة ثقافية أوسع لإعادة توظيف التراث الصوفي والموسيقي المغربي (الذي يحمل بعداً روحياً مرتبطاً بالتصوف السني، أحد أعمدة "النموذج المغربي" نفسه) كأداة هوياتية في مواجهة أنماط تدين متشددة أو متجانسة عولمياً.

3. أكاديمية المملكة وتنصيب الكاردينال بارولين: حوار الأديان في لحظة دبلوماسية حساسة

في خطوة لافتة، تنظم أكاديمية المملكة المغربية يوم الثلاثاء 23 يونيو 2026 (أي غداً) بمقرها في الرباط جلسة رسمية لتنصيب الكاردينال بيترو بارولين، أمين سر دولة الفاتيكان، عضواً شرفياً بالأكاديمية، على أن يفتتح الجلسة الأمين الدائم عبد الجليل لحجمري، تليها كلمة سفير مالطا بالمغرب وعميد السلك الدبلوماسي.

بيترو بارولين يُعد من أبرز الشخصيات الدبلوماسية في الفاتيكان، وتنصيبه يأتي في سياق متابعة لزيارات بابوية سابقة للمغرب، ويؤكد سياسة الانفتاح المؤسساتي المغربي على فاعلين دينيين عالميين متجاوزاً الحقل الإسلامي. تجدر الإشارة إلى أن أكاديمية المملكة سبق أن نصّبت أعضاء دوليين آخرين بمسارات بحثية تتقاطع مع الحقل الديني، مثل الأكاديمي السنغالي بشير ديان المتخصص في الترجمة والفكر الفلسفي الديني، ما يعكس نمطاً مؤسسياً ثابتاً لا حدثاً عرضياً.

4. الدورة 37 للمجلس العلمي الأعلى: السيرة النبوية والزكاة وتسديد التبليغ

عقد المجلس العلمي الأعلى دورته الربيعية العادية السابعة والثلاثين يومي 19 و20 يونيو 2026 بالرباط، بحضور وزير الأوقاف أحمد التوفيق والأمين العام اليزيد الراضي، تحديثاً للمعلومة المتعلقة بهذا الموضوع: جدول أعمال هذه الدورة تحدداً تضمّن تقييم الاحتفاء بالسيرة النبوية بناء على رسالة ملكية، وآليات التنزيل الموسع لخطة "تسديد التبليغ"، واستكمال النظر في فتوى الزكاة — أي محاور مختلفة جزئياً عما ورد في النص الأصلي بخصوص "المنافسة مع المرجعيات غير الرسمية".

لكن الإشكالية الأعمق التي يعمل عليها المجلس فعلياً، والمستخلصة من وثائق سابقة لذات المجلس، هي إشكالية مزدوجة عبّر عنها الأمين العام للمجلس بوضوح: "تنمية الرصيد الإصلاحي... وحراسة الرصيد وصيانته من كل ما من شأنه أن يطفئ شعلته" — وهي صياغة تعكس تماماً منطق المنافسة على سلطة التأثير الديني التي يشير إليها السؤال الأصلي. خطة "تسديد التبليغ" نفسها مصممة كرد مؤسسي على هذا التحدي، إذ تهدف إلى "بناء سلوك يجسد حقيقة المعتقد، ويجعل من الخطاب الديني وسيلة لبناء المواطن الصالح" بالتنسيق مع كفاءات ومؤسسات المحيط الاجتماعي، بدل ترك الفضاء للمرجعيات غير المهيكلة.


المواضيع الدولية

5. فرنسا: من "ميثاق المبادئ" إلى "قانون التغلغل الإسلامي"

تشهد فرنسا تسارعاً تشريعياً غير مسبوق في إدارة ملف الإسلام. في 3 مايو 2026 كشف وزير الداخلية لوران نونيز عن مشروع قانون جديد لمكافحة ما سماه "التغلغل الإسلامي"، وهو آخر حلقة في مسلسل تشريعي تسارع خلال 2025-2026: لجنة تحقيق برلمانية حول الشبكات الإسلامية والإرهاب، مقترح منع الحجاب للقاصرات، مقترح آخر لمنع المنتخبين المحليين من الرموز الدينية، وصولاً لمشروع قانون "الانفصالية والتغلغل".

اللافت أن تقريراً برلمانياً نفسه يعترف بأنه "لا يوجد أي دليل حديث يثبت رغبة مسلمي فرنسا في إقامة دولة إسلامية أو تطبيق الشريعة"، وهو ما انتقدته صحيفة ميديابارت بوصف التقرير "خليطاً مرتبكاً من أعمال سابقة استُخدم سياسياً قبل نشره". في المقابل، أكد رئيس تجمع "مسلمو فرنسا" مخلوف ماميش أن استطلاعات الرأي حول تفضيل "الشريعة" على "قانون الجمهورية" تُصاغ بطريقة مضللة، إذ يجيب كثير من الشباب فوراً بإيمانهم دون فهم دقيق للمصطلح في السياق السياسي الفرنسي.

في المقابل، عرف الحضور المؤسساتي للمسلمين تطوراً إيجابياً جزئياً: اللقاء السنوي لمسلمي فرنسا (RAMF) عاد بنسخته الأربعين في أبريل 2026 بعد سنوات من التوقف بسبب الجائحة والقيود القانونية، بمشاركة قرابة مائة متدخل من الأئمة والعلماء والجامعيين. هذا التناقض — بين تصعيد تشريعي–أمني وحيوية مجتمعية مدنية — يلخص أزمة "إيجاد المرجع الإسلامي" التي يعيشها النظام الفرنسي: غياب شريك مؤسساتي موحد يجعل الدولة تتعامل مع تعددية من الجمعيات والمساجد والشخصيات المستقلة.

6. اليابان: جدل مسجد فوجيساوا يفتح باب القومية الدينية

بدل صورة "المسجد المفتوح" التعاونية البسيطة، تكشف الأحداث الأخيرة وجهاً أكثر صراعية: مشروع بناء مسجد في مدينة فوجيساوا جنوب طوكيو تحول إلى محور جدل حاد بعد أن قاده يوتيوبر يميني يدعى سوزومو كيكوتاكي بحملة اتهامات غير مثبتة، تضمنت مزاعم بجرائم وتحذيرات بيئية كاذبة من تأثير مقبرة إسلامية مزعومة.

السياق الديموغرافي مهم هنا: يقدّر عدد المسلمين في اليابان بنحو 360 ألف شخص بعد أن كان لا يتجاوز بضعة آلاف في الثمانينيات، بينما تجاوز إجمالي عدد الأجانب 4 ملايين في 2025، في ظل تراجع ديموغرافي حاد يدفع اليابان لاستقبال عمالة أجنبية متزايدة. هذا التوتر بين الحاجة الاقتصادية للهجرة وتصاعد الخطاب القومي دفع آلاف اليابانيين للتظاهر رفضاً لبناء المسجد، وأثقل كاهل الإدارة البلدية بآلاف الرسائل الاحتجاجية.

في المقابل، تستمر نماذج أقدم وأكثر استقراراً للتواصل القاعدي، مثل مسجد جيفو الذي يستضيف شهرياً "يوم التبادل الثقافي" بحضور عشرات اليابانيين لمناقشة قضايا مجتمعية كالانتحار، أو مسجد كوبيه الذي بقي صامداً بعد زلزال 1995 وأصبح ملجأً للسكان مرتين في تاريخه. الصورة الكاملة إذن مزدوجة: حوار قاعدي ناجح في بعض المدن، وعداء قومي متصاعد في مدن أخرى.

7. ليا شاريبو: تسع سنوات من الأسر ورمزية متصاعدة لاضطهاد الأقليات

بلغت ليا شاريبو، التي اختُطفت من مدرسة دابتشي في ولاية يوبي النيجيرية في 19 فبراير 2018 وهي في الرابعة عشرة من عمرها مع 109 طالبات أخريات، عامها الثالث والعشرين في 14 مايو 2026 وهي لا تزال في الأسر — السبب: أُفرج عن جميع زميلاتها بعد أيام من الاختطاف، باستثنائها وحدها، لأنها رفضت اعتناق الإسلام والتخلي عن إيمانها المسيحي.

تطور لافت في 19 يونيو 2026 (أي قبل ثلاثة أيام فقط): انضم والداها ناثان وريبيكا شاريبو إلى حملة عالمية ضد العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، بالتنسيق مع منظمة Christian Solidarity Worldwide، للمطالبة بالعدالة لكل "ليات نيجيريا"، إذ كشفا أنها "أُخذت إلى جانب 109 فتيات أخريات، لكن ابنتنا احتُجزت فقط لأنها رفضت التخلي عن إيمانها المسيحي واعتناق الإسلام". وبحسب تقرير شامل عن سيرتها، فإنها لا تزال محتجزة لدى تنظيم "الدولة الإسلامية لغرب أفريقيا" (ISWAP)، ولم تُعلن حكومة الرئيس بولا تينوبو أي عملية إنقاذ أو إثبات حياة منذ توليه السلطة في 2023، رغم إعلانها في يوليو 2025 عن تأسيس "خلية متعددة الوكالات لمكافحة الاختطاف".

القضية تكشف فجوة صارخة بين الحملات الدولية (دعم من منظمات حقوقية، وتصريحات من ترامب ونتنياهو) ومحدودية الفعل الحكومي النيجيري المحلي، في سياق أمني معقد تتعدد فيه الجماعات المسلحة وعمليات الفداء، كما توضح أحداث متزامنة مثل الإفراج عن 416 مخطوفاً من بوكو حرام في يونيو 2026.

8. إدنبرة: اعتداءات معادية للمسلمين تفتح تحقيقاً لمكافحة الإرهاب

مساء الجمعة 19 يونيو 2026، شهدت إدنبرة سلسلة اعتداءات بدأت بالقرب من مسجد برومهاوس حيث طُعن رجلان، قبل أن تتوسع لمناطق أخرى شملت طريق تيلفورد وشارع ليث ووك، ليصل عدد المصابين إلى خمسة رجال تراوحت أعمارهم بين 22 و39 عاماً.

التفصيل الأكثر دلالة: مقطع فيديو وثّق لحظة اعتقال المهاجم، رجل اسكتلندي أبيض يبلغ 36 عاماً، وهو يصرخ "أنا أحمي البلاد من هؤلاء الملاعين المسلمين الذين يغتصبون بناتنا الصغيرات"، في إشارة مباشرة لخطاب "نظرية الاستبدال" اليميني المتطرف. رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر وصف الهجوم بـ"الفظيع" وأكد أن المشتبه به بدا مدفوعاً بكراهية معادية للمسلمين، فيما فتحت شرطة مكافحة الإرهاب في اسكتلندا تحقيقاً رسمياً، ووُجهت تهم للمشتبه به الذي سيحاكم في وقت لاحق.

تجدر الإشارة إلى أن مجلس مسلمي بريطانيا حذّر سابقاً من تزايد مخاطر استهداف دور العبادة، ودعا المساجد لتدريبات إغلاق أمني وتنسيق مع الشرطة، عقب حوادث سابقة شملت هجوماً على منزل إمام في بولتون وأعمال شغب عنصرية في بلفاست — ما يضع حادثة إدنبرة في سياق نمط متصاعد لا حدث منعزل.

9. أستراليا: اللجنة الملكية ونقاش الخط الفاصل بين نقد إسرائيل ومعاداة السامية

النقاش الأسترالي ليس تصريحاً عابراً بل تحقيق مؤسساتي رسمي: تشهد جلسات اللجنة الملكية الأسترالية مواجهات فكرية وقانونية حادة حول الخط الفاصل بين معاداة السامية والانتقاد السياسي لإسرائيل والصهيونية، وسط نقاش حول تعريف "التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست" (IHRA) الذي يعتبر تشبيه أفعال إسرائيل بألمانيا النازية شكلاً من معاداة السامية.

البروفيسور أندرو ماركوس قدّم تحليلاً مستنداً لاستطلاعات رأي كاشفة: ناخبو حزب الخضر سجلوا أدنى مستويات الكراهية التقليدية ضد اليهود وأعلى مستويات مناهضة الصهيونية، بينما سجل ناخبو حزب "أمة واحدة" القومي العكس تماماً — ما يفكك الافتراض الشائع بأن معاداة الصهيونية ومعاداة السامية يسيران بالضرورة في خط واحد. مديرة الأبحاث في المجلس التنفيذي لليهود الأستراليين جولي ناثان دافعت عن منهجية المجلس قائلة إنه "لا يصنف معظم الانتقادات الموجهة لإسرائيل كمعاداة للسامية حتى وإن كانت مسيئة للغاية"، فيما عبّرت "شبكة الدفاع عن أستراليا وفلسطين" عن خيبة أملها لعدم منحها حق المثول أمام اللجنة كما حدث لمنظمات يهودية تقدمية مثل "المجلس اليهودي الأسترالي".

سياق الأزمة الأعمق: تقرير المجلس التنفيذي لليهود الأستراليين سجل 2062 حادثة معاداة للسامية في العام الماضي، أي أربعة أضعاف العام السابق منذ هجمات 7 أكتوبر، عقب هجوم شاطئ بوندي بسيدني في ديسمبر 2025 الذي خلّف 16 قتيلاً و40 جريحاً، إذ رفض رئيس الوزراء أنتوني ألبانيز اتهام نتنياهو بأن الاعتراف بدولة فلسطينية غذّى معاداة السامية، قائلاً إنه لا يرى صلة بين الحدثين.

10. ألمانيا: دراسة جامعة مانهايم تكشف كيف سهّلت البنى الكنسية الاعتداءات

دراسة حديثة أجرتها جامعة مانهايم خلصت إلى أن البنى الهيكلية الكنسية في أبرشية شباير (جنوب غرب ألمانيا) سهّلت ارتكاب الاعتداءات الجنسية، بسبب غياب الرقابة، وعدم وضوح المسؤوليات، ورؤية سلطوية للوظيفة الكنسية. الأبرشية تضم نحو 1.57 مليون نسمة، من بينهم 437 ألف كاثوليكي.

هذه الدراسة الألمانية تأتي ضمن موجة أوروبية أوسع من المراجعات: في إسبانيا، تعرّض أكثر من 200 ألف قاصر لاعتداءات جنسية على يد رجال دين كاثوليك منذ عام 1940، بينما كشفت لجنة تحقيق مستقلة في فرنسا أن أكثر من 216 ألف طفل تعرضوا لانتهاكات على يد رجال دين كاثوليك بين 1950 و2020، يصل العدد إلى 330 ألفاً بإضافة المعتدين العلمانيين العاملين في مؤسسات الكنيسة. رئيس اللجنة الفرنسية جان-مارك سوفيه وصف الأرقام بأنها "مروعة وتستدعي تحركاً".

النمط المتكرر عبر هذه الدراسات هو نفسه تقريباً: ليست الانتهاكات الفردية هي المشكلة المركزية في تحليل الباحثين، بل البنية المؤسسية التي توفر الحماية والتعتيم — وهو ما يفسر تركيز الإصلاحات الكنسية الحديثة على آليات الرقابة والمساءلة، أكثر من العقاب الفردي وحده.


الموضوعان الفكريان

11. "The Story of Everything": التصميم الذكي يعود للسينما بميزانية ضخمة

الفيلم الوثائقي "The Story of Everything"، الذي أخرجه إريك إيساو وكتبه الفيلسوف ستيفن سي. ماير، عُرض في دور السينما الأمريكية من 30 أبريل إلى 6 مايو 2026 عبر شركة Fathom Entertainment، محققاً نحو 1.64 مليون دولار في 513 صالة. يستضيف الفيلم شخصيات مثل الفيلسوف جون لينوكس ورجل الأعمال بيتر ثيل، ويستند إلى حجة "تعقيد الخلية" في الدفاع عن فكرة التصميم الذكي.

صحيفة وول ستريت جورنال أشادت بالحجة العلمية للفيلم عبر مقال لبيتر روبنسون من معهد هوفر، بينما وصفته منصة Baptist Press بأنه "موجه لمساعدة الشباب المتدين على مواجهة الرؤى المادية" في الجامعات. لافت أن منظمة Creation Ministries International، وهي منظمة محافظة مؤمنة بالخلق المباشر، انتقدت الفيلم لأنه يتبنى نظرية الانفجار العظيم — ما يكشف أن "حركة التصميم الذكي" نفسها ليست متجانسة، بل تضم تيارات متفاوتة في قبولها للكوزمولوجيا العلمية السائدة.

الناقد دانوشا غوسكا، في مراجعة لها، وضعت الفيلم في مواجهة مباشرة مع وثائقيات نتفليكس مثل "Life on Our Planet" و"The Dinosaurs"، معتبرة أن هذه السلاسل "تتبشّر بشدة برؤية دارونية صرفة، ولا تسمح للمُشاهد حتى بفضول بسيط حول ما إذا كان لإله ما دور في أصل الحياة" — وهي قراءة تكشف أن النقاش هنا ليس علمياً بحتاً، بل صراع سرديات حول من يملك حق تأطير "قصة الأصل" في الثقافة الشعبية.

12. الذكاء الاصطناعي والدين: من "الذكاء الاصطناعي كمرشد روحي" إلى موسوعة البابا

أهم تطور في هذا الملف تجاوز التحليلات النظرية إلى موقف بابوي رسمي: البابا لاون الرابع عشر أصدر موسوعة في 25 مايو 2026 وصف فيها الذكاء الاصطناعي بأنه "الأزمة الأخلاقية للعصر الحديث"، مؤكداً أن "الذكاء الاصطناعي يحتاج الآن إلى أن يُجرَّد من السلاح، ويتحرر من المنطق الذي يحوّله إلى أداة سيطرة واستبعاد وموت". الموسوعة تربط مباشرة بين الأتمتة وأزمة المعنى، منطلقة من اللاهوت الاجتماعي الكاثوليكي الذي يعتبر العمل مرتبطاً جوهرياً بـ"الكرامة الإنسانية" لا بالكفاءة الاقتصادية وحدها، معتبرة أن التشريد الجماعي الناتج عن الأتمتة "ليس مجرد تكيّف سوقي، بل أزمة اجتماعية وأخلاقية".

على المستوى الاجتماعي الأدق، يرصد تقرير من Milwaukee Independent ظاهرة أمريكيين يتجهون للذكاء الاصطناعي طلباً للتوجيه الروحي، محذراً اللاهوتيين من أن "الأفعال الروحية حين تُفوَّض للأتمتة، تخطر بأن تصبح معاملاتية: مجرَّدة من النية، مُشكَّلة بالراحة، فتتحول الشعيرة إلى وظيفة، ويُختزل المقدس إلى واجهة". المخاطر التي يحذر منها خبراء متابعون لظاهرة الجماعات المتطرفة أعمق من ذلك: يمكن لفاعل سيء النية أن يستخدم الذكاء الاصطناعي لمحاكاة سلطة روحية وبناء أتباع موالين حول أيديولوجيا متلفعة بلغة دينية، دون أي رقابة مؤسسية أو مساءلة نصّية.

من زاوية بحثية أكاديمية، تطرح دراسة منشورة في مجلة Theology and Science (2026) سؤالاً جوهرياً حول كيف يتحدى الذكاء الاصطناعي التوليدي السلطة اللاهوتية نفسها، خصوصاً مع بدء هذه الأدوات في العمل كمستشارين روحيين وراعويين بحكم الواقع، فيما تشير أبحاث أقدم إلى فرضية مثيرة للجدل مفادها أن التعرّض للأتمتة قد يفسر جزئياً التراجع الديني في الدول الأكثر تقدماً تكنولوجياً، لأن الأتمتة تقلل القيمة "الوظيفية" التي كان الدين يوفرها تاريخياً كتفسير للظواهر غير المفهومة.




شكراً لمتابعتكم، نلتقي قريباً في عدد جديد برؤية تحليلية لأهم تقاطعات الدين والمجتمع.