السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أعزاءنا القراء،
في هذا العدد الجديد؛ نواكب معكم ثماني قصص تعكس كيف تُعاد صياغة حضور الدين في الفضاء العام، من أوروبا وتركيا إلى طاجيكستان وسوريا وإيران، بين القانون والسياسة والذاكرة والرقابة.
منظمة إسلامية فرنسية تقاضي نائبة عن التجمع الوطني بتهمة التشهير
أودعت منظمة «الإغاثة الإسلامية فرنسا» (Secours islamique France) يوم الاثنين 29 يونيو 2026 شكوى بتهمة «التشهير العلني» لدى المحكمة القضائية بباريس ضد النائبة مارين هامليه، عن التجمع الوطني في الدائرة الثانية بمقاطعة تارن-إي-غارون. تعود القضية إلى جلسة استماع في الجمعية الوطنية يوم 8 أبريل 2026 بخصوص المدير المقبل لوكالة التنمية الفرنسية كريستوف لوكورتييه، حيث انتقدت هامليه تمويل الوكالة للمنظمة، مشيرة إلى «روابط مفترضة» بجماعات قريبة من الإخوان المسلمين «كشفها مجلس الشيوخ منذ 2021». ردّت المنظمة في بيان بتاريخ 17 أبريل بأنها «لم تربطها أي علاقة» بهذه التيارات، مؤكدة أن صلتها التاريخية بمنظمة Islamic Relief التي أُسست عبرها عام 1991 «انقطعت كلياً سنة 2006»، وهو ما كرّسه حكم قضائي صدر عام 2013. تستند اتهامات هامليه إلى تقرير وزارة الداخلية الفرنسية «الإخوان المسلمون والإسلام السياسي في فرنسا» الصادر في مايو 2025، والذي ذكر المنظمة ثلاث مرات في سياق صلاتها القديمة. لم تُعلّق هامليه على طلب وكالة فرانس برس للتعليق حتى مساء الخميس 2 يوليو. يكشف الملف كيف تحوّل تقرير أمني رسمي إلى سلاح متكرر الاستخدام في المعارك الحزبية حول تمويل الجمعيات الخيرية الإسلامية العاملة بشراكة مع الدولة.
طفل يقود شاحنة فيقتل تسعة رهبان بوذيين في تايلاند: هشاشة المواكب الدينية في الفضاء العام
اقتاد صبي في الحادية عشرة من عمره شاحنة والديه دون إذن يوم الخميس 2 يوليو 2026، ليصطدم بموكب من 35 راهباً ومرافقين كانوا يسيرون سيراً على الأقدام في مقاطعة موكداهان (نحو 600 كلم شمال شرق بانكوك)، بعد نحو نصف ساعة من انطلاقهم في رحلة حج طولها 260 كلم باتجاه مقاطعة أوبون راتشاثاني. أسفر الحادث عن مقتل تسعة رهبان وإصابة ما بين 13 و14 آخرين، بعضهم في حالة حرجة، بحسب حاكم المقاطعة وراريان بونارات. روى أحد الرهبان الناجين، المدعو فرا سومبونغ، للإعلام المحلي أنه كان يردد تعويذة «بودو، بودو» لحظة الاصطدام، مضيفاً أن الرهبان التسعة الأوائل في الصف نجوا بينما «قُذف من أصابتهم في الهواء». دعا الحاكم بونارات إلى اعتبار الحادثة «درساً في السلامة الطرقية» لا لمقاطعته فقط بل للبلاد ككل، في ظل سجل تايلاند السيئ عالمياً في حوادث السير. يحمل الحادث بعداً رمزياً يتجاوز عدد الضحايا، في مجتمع يُنظر فيه إلى الرهبان بوصفهم حَمَلة قيمة أخلاقية عليا، ما يطرح سؤالاً حول غياب أي إطار تنظيمي يحمي المواكب الدينية السائرة على الطرق العامة المفتوحة.
طاجيكستان تُقلّص سجل الأسماء «المقبولة» رسمياً: هندسة الهوية بين الفارسية والإسلام
كشف تقرير لإذاعة «أوروبا الحرة» أن اللجنة المختصة في طاجيكستان حذفت 1745 اسماً من السجل الرسمي السابق البالغ 4056 اسماً — معظمها ذات أصل عربي — وأضافت 965 اسماً جديداً وصفها المسؤول كريموف بأنها «أسماء آرية جميلة» متجذرة في الثقافة الفارسية-الطاجيكية. تروي والدة تُدعى سدبرگ كيف رفض موظف السجل المدني تسجيل مولودتها باسم «طيبة» لعدم وروده في القائمة المعتمدة، قائلاً لها إنها ملزمة باختيار اسم آخر «من الكتاب» إن أرادت شهادة ميلاد فورية. تندرج السياسة ضمن مشروع أوسع أطلقه الرئيس إمام علي رحمون منذ تخلّيه عام 2007 عن اللاحقة الروسية «-وف» من اسمه، مروراً بحظر «الملابس الغريبة عن الثقافة الطاجيكية» (أي الحجاب) عام 2024، ووصولاً إلى ضبط اللحى الطويلة عند نقاط الحدود. يصف مؤرخ من دوشنبي، فضّل عدم ذكر اسمه خشية الملاحقة، هذه السياسة بالقول إن «الأسماء والملابس ولحية الوجه ليست رموز مقاومة، ومعاملتها على هذا الأساس ضرب من جنون العظمة». يطرح الملف سؤالاً بحثياً لافتاً: إلى أي حد يمكن لأدوات القانون المدني أن تُنتج ديناً «مخصخصاً» منزوع الرموز الظاهرة دون أن تحدّ فعلياً من التديّن المتنامي في المجتمع؟
طهران تودّع خامنئي بعد أربعة أشهر من مقتله: جغرافيا الحداد وسياسة الثأر
بعد أربعة أشهر على مقتله في 28 فبراير 2026 ضمن الضربة الأميركية-الإسرائيلية المشتركة الأولى على طهران، تستعد إيران لتوديع مرشدها الأعلى علي خامنئي (86 عاماً) في مراسم جنازة مهيبة تمتد من 4 إلى 9 يوليو 2026: عرض الجثمان في مصلّى الإمام الخميني بطهران يومي 4 و5 يوليو، فموكب في العاصمة يوم 6، فمراسم في قم يوم 7، ثم في النجف وكربلاء بالعراق يوم 8، وصولاً إلى الدفن في مرقد الإمام الرضا بمشهد يوم 9. تتوقع السلطات الإيرانية مشاركة ما بين 15 و20 مليون معزٍّ، وممثلين عن نحو تسعين دولة، فيما وصف خبير مكافحة الإرهاب سليماني الأرقام الرسمية بأنها ليست مجرد لوجستيات بل «ملحمة وطنية في ذاكرة الجمهورية الإسلامية». يبقى حضور نجله وخليفته مجتبى خامنئي من عدمه مجهولاً، إذ لم يظهر علناً منذ توليه المنصب، فيما دعا كبير المفاوضين الإيرانيين المواطنين إلى «الثأر» لمقتل المرشد عبر المشاركة الحاشدة في الجنازة. تُوقَّف المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن، التي تجري بوساطة قطرية-باكستانية، لمدة أسبوع خلال أيام العزاء، رغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن «تقدّم إيجابي» فيها. يرسّخ مسار الجنازة، الذي يربط طهران بقم والنجف وكربلاء ومشهد، جغرافيا مقدسة للسلطة تمزج الذاكرة الشيعية بالمشهدية الثورية، في لحظة تُعيد فيها الجمهورية الإسلامية تركيب العلاقة بين المرجعية الدينية والسلطة السياسية بعد اغتيال مرشدها.
ترميم أبرز مقبرة يهودية في دمشق: إعادة اعتبار لذاكرة دينية شبه منقرضة
أكد جو جاجاتي، المؤسس الأميركي من أصل سوري لـ«مؤسسة موزاييك السورية» وحفيد حاخام سوري، لوكالة فرانس برس يوم الثلاثاء 30 يونيو 2026 أن مؤسسته شرعت في تنظيف وترميم أكبر مقبرة يهودية في دمشق، الواقعة على طريق مطار العاصمة، وستستكمل خلال يوليو ترميم السور الخارجي وتركيب الإنارة وكاميرات المراقبة. أوضح جاجاتي أن «المقبرة لم تتضرر خلال الحرب» الأهلية التي اندلعت عام 2011، وأن آخر دفن فيها جرى قبل نحو عام ونصف، فيما استؤنفت زيارات يهود سوريين مقيمين بالخارج لها بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024. يذكّر التقرير بأن الطائفة اليهودية السورية، التي كانت تُقدَّر بنحو خمسة آلاف شخص، مُنعت من مغادرة البلاد حتى عام 1992، ليتقلّص عددها لاحقاً إلى ما وصفه رئيس الطائفة بخور شمنطوب بـ«عدد ضئيل جداً» من الأفراد اليوم. سجّلت المقبرة مؤخراً محاولتي إحراق تعرّضت لهما، جرى احتواؤهما من قبل خدمات الطوارئ المحلية بحسب ما نقلته الإذاعة الإسرائيلية العامة، ما دفع لتشديد إجراءات الأمن حول الموقع. تندرج المبادرة ضمن اتجاه إقليمي أوسع لإعادة الاعتبار للتراث اليهودي المحلي كما في المغرب وتونس والعراق، لكنها في الحالة السورية ترتبط بسؤال سياسي أكثر حساسية: كيف يمكن إحياء ذاكرة جماعة يكاد وجودها الحي يكون منعدماً، وسط نزاع تركة الممتلكات المصادرة وتحوّلات الشرعية بعد الأسد؟
اعتقال الفكاهي التركي دنيز غوكتاش: حين يتحد المقدّس الديني بالمقدّس الرئاسي في قفص الرقابة
أوقفت السلطات التركية الفكاهي دنيز غوكتاش (32 عاماً) في مطار إسطنبول يوم الخميس 2 يوليو 2026 لدى عودته من رحلة خارجية مخطط لها سلفاً، بعدما تلقّت النيابة العامة 185 شكوى عبر منصة «سيمر» الرئاسية بخصوص عرضه «أولو دنيز» المسجل في إسطنبول يوم فاتح يونيو والمنشور على يوتيوب في 24 يونيو، والذي حصد نحو تسعة ملايين مشاهدة وتضمّن سخرية من الرئيس رجب طيب إردوغان ومن رئيس بلدية إسطنبول المسجون أكرم إمام أوغلو. يستند التحقيق إلى المادة 216/3 من قانون العقوبات التركي التي تجرّم «الإساءة العلنية للقيم الدينية» بعقوبة تتراوح بين ستة أشهر وسنة سجن، وقد سبق لسلطات المنصة إكس حجب منشورات تحوي مقاطع من العرض بذريعة «الأمن القومي» بعد أن اتهم شامل طيار، عضو سابق في الهيئة القيادية لحزب العدالة والتنمية، غوكتاش بإهانة إردوغان. انتقد الممثل شفكت جوروه توقيف زميله علناً واصفاً تعامل الدولة مع الفكاهة كأنها «قضية جنائية»، فيما طالب حزب العمال التركي (يسار معارض) بإطلاق سراحه. يأتي التوقيف ضمن سلسلة قضايا مشابهة طالت فنانين وموسيقيين آخرين بتهم «إهانة القيم الدينية والوطنية والأخلاقية»، ما يعكس تسييلاً متزايداً للحدود بين المقدّس الديني والمقدّس السياسي في تركيا المعاصرة، حيث تحوّلت «البلاغات الجماهيرية» عبر منصات رسمية إلى أداة رقابة موازية للدولة، في بيئة رقمية كان يوتيوب فيها ملاذاً مؤقتاً للسخرية من السلطة قبل أن يخضع بدوره لإعادة الضبط القانوني.
شكراً لوقتكم وقراءتكم المتأنية، نلتقي في عدد قادم قريباً مع ملفات جديدة ترصد تحوّلات الدين والروحانيات في المغرب والعالم.



