السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أعزاءنا القراء، هذه هي «نشرة سُبْحة» لهذا اليوم، نرصد فيها إقالة معلمة محجبة في بلجيكا وصليبا معقوفا استهدف مسجدا في بروكسل، والتحضيرات الأمنية الاستثنائية لزيارة البابا ليون الرابع عشر إلى باريس، وقراءة تاريخية في جذور الإسلام السياسي، إلى جانب تعيين أسقف معاون لأبرشية الرباط، وأول انتخابات في إقليم بانغسامورو الفيليبيني المسلم، وإيمان ديني يقود دولا في المحيط الهادئ لنقل سفاراتها إلى القدس، ومقتل شخصية سنية بارزة في إيران.
إقالة معلمة محجبة في فلاندرا الشرقية تعيد فتح النقاش حول حدود العلمنة في التعليم البلجيكي
حين تصطدم حرية المعتقد بحياد الوظيفة العمومية
أكدت المعلمة البلجيكية حديجة أمجود، العاملة منذ الأول من سبتمبر 2022 بمدرسة "كييمبونت" المتخصصة في مدينة أسنيده التابعة لمقاطعة فلاندرا الشرقية، أن المقاطعة قررت إنهاء عقدها بسبب رفضها نزع حجابها أثناء ساعات العمل، وذلك بحسب ما نقلته وكالة "بلغا" وصحيفة "لوسوار" البلجيكية. وكانت أمجود، التي نالت التثبيت النهائي في منصبها في يناير 2024 ولم تُسجَّل ضدها أي ملاحظة سلبية في أدائها، قد بدأت عملها وهي محجبة، قبل أن تُقدِم المقاطعة في يونيو 2024 على تعديل نظامها الداخلي ليمنع صراحة، ابتداءً من سبتمبر من العام نفسه، ارتداء أي رمز ديني أو فلسفي ظاهر، باستثناء مدرّسي مادة الفلسفة. وتساءلت المعلمة، التي تعتزم نقابتها الاشتراكية الفلمنكية "أكود" الطعن في القرار أمام غرفة الطعون في بروكسل: "إلى أي حد يمكن لصاحب العمل أن يحد من الحريات الشخصية؟"، معتبرة أن تفسير المقاطعة لمبدأ الحياد "تفسير سياسي بحت".
وتندرج هذه القضية، التي تُعد على الأرجح أول حالة إقالة صريحة لمعلمة بسبب الحجاب في إقليم فلاندرا، ضمن سلسلة إجراءات اتخذتها المقاطعة ذاتها، التي كانت قد فرضت مطلع 2024 حظراً مماثلاً على ارتداء الحجاب بين تلميذات شبكتها التعليمية. وتعكس القضية توتراً متصاعداً في بلجيكا بين مبدأ حياد الدولة في التعليم الرسمي من جهة، وضمانات حرية المعتقد وحقوق الشغل من جهة أخرى، وهو جدل يتردد صداه في عدد من الدول الأوروبية التي تشهد نقاشات مشابهة حول الرموز الدينية في الفضاء العام والمدرسي.
صليب معقوف على مسجد في بروكسل يوحّد الطبقة السياسية البلجيكية في إدانته
تصاعد الخطاب المعادي للمسلمين يعيد طرح ملف حماية دور العبادة
استُهدف المركز الإسلامي والثقافي "المواحدين" في حي لايكن ببروكسل، ليل السبت الأحد، برسم صليب معقوف على واجهته، في حادثة وصفها العديد من المسؤولين البلجيكيين بأنها "عمل كراهية". وطالب النائب ريضوان شهيد، أحد قياديي الحزب الاشتراكي في بروكسل، بوضع حماية ومراقبة أمنية مشددة وفورية حول جميع المساجد، وبالتنسيق مع رؤساء البلديات ومصالح الشرطة ووزيرة الداخلية، مؤكداً أنه "لا يمكن مطالبة المصلين بأداء الصلاة وهم يشعرون بالخوف"، بحسب ما نقلته وكالة "بلغا" وصحيفة "لوسوار". من جهته، عبّر وزير الداخلية والأمن برنار كونتان عن "دعمه الكامل" للمصلين وللجالية المسلمة ككل، معتبراً أن "استهداف مسجد يعني استهداف مواطنينا المسلمين في صميم إيمانهم وهويتهم"، فيما أدان رئيس حكومة إقليم بروكسل بوريس ديلييس "هذا العمل الكراهي" بشدة.
ويأتي هذا الحادث في سياق أوروبي يشهد تزايداً في الاعتداءات على دور العبادة من مختلف الأديان، وهو ما يفرض، بحسب مراقبين، تعزيز آليات الحماية القانونية والأمنية لكل الطوائف الدينية دون تمييز. وقد فتحت مدينة بروكسل تحقيقاً في الحادثة سعياً لتحديد هوية الجناة ومحاسبتهم، في وقت رأت فيه النائبة الفدرالية رجاء موان أن مثل هذه الحوادث "نتيجة مباشرة لمناخ يشعر فيه أصحاب الخطاب العنصري بالارتياح".
إجراءات أمنية استثنائية في باريس استعداداً لزيارة البابا ليون الرابع عشر
من ساحة الكونكورد إلى الملعب الفرنسي الكبير: خريطة أمنية مشددة ليومي 25 و26 سبتمبر
تستعد العاصمة الفرنسية باريس لاستقبال البابا ليون الرابع عشر يومي 25 و26 سبتمبر الجاري، في زيارة تتضمن جولة إلى كاتدرائية نوتردام لتلاوة صلاة الغروب، وسهرة صلاة في الملعب الفرنسي الكبير، وقداساً كبيراً في الدائرة الثامنة بباريس. وأوضحت مديرية الشرطة الفرنسية أنه سيتم إحداث "طوقات حماية تقتصر على الحد الأدنى الضروري" حول المواقع المستقبلة للجمهور، بحسب ما نقلته صحيفة "لوفيغارو"، التي فصّلت مراحل تقييد حركة السير: بدءاً من إغلاق جزئي لساحة الكونكورد منذ الثاني من سبتمبر لأغراض التجهيز، مروراً بتوسيع الطوق الأمني ابتداء من 16 سبتمبر ليشمل محيط الشانزليزيه والقصر الصغير، وصولاً إلى إغلاق واسع للمنطقة بأكملها بين 25 و26 سبتمبر، إلى جانب إغلاق عدد من محطات المترو المجاورة.
وفي حوار مع صحيفة "لاكروا"، أشار المونسنيور تشيليستينو ميلوري، السفير البابوي (النونصيو الرسولي) في فرنسا، إلى أن أكبر التحديات التنظيمية يتمثل في ضيق الوقت المتاح للتحضير منذ تأكيد الزيارة نهاية مايو الماضي، مع الحرص على الموازنة بين البعد الرعوي للزيارة الذي يستدعي تقارباً مباشراً بين البابا والجموع، وبين متطلبات الأمن المشددة. ويصف ميلوري كنيسة فرنسا بأنها "كنيسة منهكة لكنها تنبض، في الوقت ذاته، بحيوية تبشيرية متجددة"، وهو توصيف يعكس النقاش الأوسع الدائر في فرنسا حول موقع الكاثوليكية والعلمانية في المجال العام عشية هذه الزيارة البابوية البارزة.
جذور الإسلام السياسي: من إغراء الحكم باسم الله إلى حلم الخلافة الجامعة
قراءة تاريخية في نشأة التيارات الإسلاموية وعلاقتها بأزمة الحداثة
يرى الباحث المتخصص في التاريخ الإسلامي نبيل مولين، في تحليل نشرته صحيفة "لوموند" الفرنسية، أن معظم الأراضي التي يقطنها المسلمون ظلت منذ العصور الوسطى تحت حكم سلطات تستمد شرعيتها من مرجعية دينية، حيث كان الحكم "باسم الله ومن أجله" طموحاً معلناً لدى غالبية من تعاقبوا على السلطة، أياً كانت ألقابهم أو غاياتهم. ويشير مولين إلى أن دخول الحداثة إلى هذه المجتمعات في القرن التاسع عشر قلب هذا النظام الممتد لقرون، في مسار لا يزال مستمراً وأدى إلى أزمة بنيوية طويلة الأمد.
ويوضح التحليل أن بعض الفاعلين، المتحسرين على ماضٍ مؤسطر والمتطلعين إلى مستقبل خلاصي، اقترحوا استعادة "مدينة الله" على الأرض عبر مزج انتقائي بين أفكار ومؤسسات ذات أصول إسلامية وأوروبية معاً؛ فبالرغم من تباين مشاربها العقدية وتعدد مساراتها، تبقى تيارات الإسلام السياسي، بحسب مولين، مسكونة بنزعة لاهوتية-سياسية واحدة تتمثل في السعي إلى توحيد الأمة تحت راية الخلافة كسلطة إسلامية جامعة. ويربط الباحث نشأة هذه التيارات بفترة ما بين الحربين العالميتين، حين دفع انهيار الخلافة العثمانية وإخفاق مشاريع التحديث والهيمنة الغربية وتحولات ثقافية عميقة بعضَ النخب إلى الاعتقاد بأن العودة إلى "أصول" الإسلام، ولو بصيغة معاد ابتكارها، هي وحدها الكفيلة بإعادة الأمة إلى مسارها الصحيح — وهي قراءة تاريخية تظل، شأنها شأن أي تأويل فكري، محل نقاش وتباين بين الباحثين في هذا الحقل.
الفاتيكان يعيّن أسقفاً معاوناً لأبرشية الرباط إثر توقف الكاردينال لوبيز روميرو عن مهامه
تحقيق في اتهامات بالعنف الجنسي يعيد ترتيب القيادة الكنسية في المغرب
عيّن البابا ليون الرابع عشر الأب ماريو ليون دورادو، الكاهن الإسباني البالغ 52 عاماً وعضو "رهبنة المرسلين الأوبلات لمريم الطاهرة" الذي يمارس خدمته الرعوية في الصحراء الغربية منذ نحو 25 عاماً، رئيس أساقفة معاوناً لأبرشية الرباط، في بيان صادر عن الفاتيكان ونشر السبت، بحسب وكالة فرانس برس. ويأتي هذا التعيين إثر توقف الكاردينال كريستوبال لوبيز روميرو عن أداء مهامه على رأس الأبرشية، عقب اتهامات تتعلق بالعنف الجنسي، فيما أفادت النيابة العامة والشرطة المغربيتان بأنه لم تُقدَّم أي شكوى بحقه أمام القضاء المغربي حتى الآن. وقد توجه محققان من الفاتيكان إلى الرباط للاستماع إلى عدد من الضحايا المفترضين وأعضاء الأبرشية، من بينهم اثنتان من النساء الخمس اللواتي اتهمن الكاردينال، إضافة إلى الشخص المبلغ عن المخالفات.
وينفي الكاردينال لوبيز روميرو، الذي تنتهي ولايته رسمياً على رأس الأبرشية عام 2027، ارتكاب أي اعتداء أو عنف أو تحرش جنسي، معلناً في بيان تنحيه عن مهامه بانتظار نتيجة تحقيق أولي تجريه دائرة التبشير التابعة للفاتيكان. وأوضح أنه كان قد ناقش تعيين أسقف معاون مع البابا الراحل فرنسيس في نهاية 2024، وكرر الطلب نفسه للبابا الحالي في أكتوبر 2025، قبل أن يعيّن الفاتيكان الأب دورادو مديراً رسولياً للإشراف مؤقتاً على الأبرشية بانتظار نتائج التحقيق. ويحمل هذا الملف بعداً مغربياً مباشراً، إذ يتعلق بمستقبل القيادة الكنسية الكاثوليكية في المملكة، في وقت تحرص فيه الكنيسة على استمرارية خدمتها الرعوية لجالية صغيرة لكنها راسخة تاريخياً.
الفلبين تشهد أول انتخابات برلمانية في إقليمها المسلم بعد عقود من النزاع الانفصالي
بانغسامورو تختبر السلم الهش بين الحكم الذاتي والتمثيل المسيحي
تستعد منطقة بانغسامورو ذاتية الحكم في جزيرة مينداناو الفيليبينية ذات الغالبية المسلمة لانتخاب برلمانها الأول، بدلاً من تعيين أعضائه كما كان معمولاً به سابقاً، وذلك بعد مسار سلام متقطع انطلق أواخر تسعينيات القرن الماضي أنهى عقوداً من النزاع الانفصالي الدامي بين جبهة تحرير مورو الإسلامية والقوات الحكومية الفيليبينية، بحسب وكالة فرانس برس. وانقسمت الجبهة، التي قاتلت من أجل الحكم الذاتي لهذه المنطقة الواقعة في بلد ذي غالبية كاثوليكية، إلى حزبين متنافسين، فيما لا يزال نحو 14 ألف عنصر من مقاتليها السابقين يحملون السلاح. وتخشى الأقلية المسيحية ومجموعات السكان الأصليين في المنطقة ألا تجد من يمثلها في ظل توقعات بهيمنة المتمردين السابقين والعائلات السياسية النافذة على نتائج الاقتراع.
وتحمل هذه الانتخابات، بحسب مراقبين، وزناً رمزياً كبيراً لمنطقة أنهكتها عقود من الحرب بين الجيش والجماعات الانفصالية الإسلامية، إذ عبّر مقاتلون سابقون عن حرصهم على تجنب أي اقتتال داخلي رغم الانقسام الحزبي، مؤكدين أن "روح الأخوة أقوى من الخلافات السياسية"، فيما أعرب ناخبون، من بينهم نساء ومسنون، عن ارتياحهم لتمكنهم للمرة الأولى من اختيار من يمثلهم بأنفسهم. وتعكس التجربة، على محدوديتها، نموذجاً لكيفية تفاوض الأقاليم ذات الغالبية المسلمة على تقاسم سلمي للسلطة مع الأقليات الدينية والعرقية داخل دول ذات غالبية مختلفة، وهي ديناميكية تتكرر في أكثر من موضع في جنوب شرق آسيا.
الإيمان بـ"الشعب المختار" يقود دولاً صغيرة في المحيط الهادئ إلى نقل سفاراتها إلى القدس
حين تكون العقيدة التوراتية أقوى من الحسابات الدبلوماسية
افتتحت جزيرة ناورو الصغيرة في المحيط الهادئ مطلع هذا الشهر سفارتها في القدس، لتنضم إلى مجموعة من الدول من بينها بابوا غينيا الجديدة وفيجي، من أصل سبع دول أعضاء في الأمم المتحدة نقلت سفاراتها إلى هناك، فيما أعلنت ساموا عزمها أن تحذو حذوها لاحقاً هذا العام، بحسب وكالة فرانس برس. ويرى دبلوماسيون وخبراء تحدثوا للوكالة أن الدافع وراء هذه الخطوات ليس حسابات دبلوماسية بقدر ما هو قناعات دينية متجذرة، إذ ينظر نحو 90 بالمئة من سكان جزر المحيط الهادئ الأصليين، بحسب دبلوماسية فيجية، إلى اليهود باعتبارهم "شعب الله المختار" الواجب دعمه، فيما يعتبر بعض الأفراد في بابوا غينيا الجديدة وجزر سليمان وفيجي أنفسهم من أحفاد "أسباط إسرائيل المفقودة"، وارتدى رئيس وزراء ساموا في العام الماضي منديل الصلاة اليهودي أثناء أدائه اليمين الدستورية.
غير أن هذا الدعم لا يحظى بإجماع تام في المنطقة، إذ خرج مواطنون حاملين الأعلام الفلسطينية في فيجي احتجاجاً على زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي في وقت سابق من العام، ولا تزال معظم دول العالم تبقي سفاراتها في تل أبيب انتظاراً لتسوية نهائية لوضع القدس. ويصف خبراء دوليون خطوة هذه الدول الصغيرة بأنها "مكسب رمزي كبير" لإسرائيل دون أن يكون مقابلها الدبلوماسي أو التنموي واضحاً، خصوصاً أن حجم المساعدات الإسرائيلية لدول المحيط الهادئ يظل متواضعاً مقارنة بمانحين كبار كأستراليا والصين.
الحرس الثوري الإيراني يعلن مقتل شخصية سنية بارزة في شمال غرب البلاد
اتهامات لجماعات كردية انفصالية في سياق حرب مستمرة مع إسرائيل والولايات المتحدة
أعلن الحرس الثوري الإيراني مقتل محمد نزهتي، وهو شخصية سنية بارزة وعضو في قوات "الباسيج" التطوعية شبه العسكرية، في إحدى محافظات شمال غرب إيران، متهماً "مجموعات انفصالية صهيونية أميركية" بالوقوف خلف العملية دون تحديد وقت وقوعها، بحسب وكالة فرانس برس. وتستخدم السلطات الإيرانية عادة تعبير "المجموعات الانفصالية" للإشارة إلى جماعات معارضة كردية تتخذ من إقليم كردستان العراق مقراً لها، وتتهمها طهران منذ فترة طويلة بإقامة روابط مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويأتي هذا الحادث في سياق الحرب الدائرة في المنطقة منذ أن شنت الدولتان أواخر فبراير الماضي هجوماً مشتركاً على إيران، حيث وصف الحرس الثوري عملية الاغتيال بأنها "محاولة يائسة لبث الفرقة بين المسلمين وتقويض الوحدة بين الشيعة والسنة". ويشكل الشيعة غالبية سكان إيران، فيما تضم البلاد جماعات سنية كبيرة خصوصاً في محافظاتها الغربية والجنوبية الشرقية، وهو ما يجعل الحادث مؤشراً على كيفية انعكاس الحرب الإقليمية على التوازنات الطائفية الداخلية في البلاد.
شكراً لقراءتكم هذا العدد من «نشرة سُبْحة»، ونلتقي في عدد جديد.



