مرحباً بكم في عدد جديد من «نشرة سُبْحة». يتوقف هذا العدد عند ثمانية موضوعات من الصحافة الدينية الدولية: أساقفة تينيسي وعقوبة الإعدام، ومكتب الشؤون الدينية الجديد في البنتاغون، واقتراحات إصلاح القانون الكنسي المنبثقة عن سينودس الكاثوليك، وجدل نابليون ومسجد باريس، ثم مئوية أقدم مساجد لندن، وعشاء نباتي أشعل النقاش في الهند، ودير كييف الجريح، ودراسة جديدة عن الهوية اليهودية في بريطانيا.
أساقفة تينيسي يطالبون بتخفيف حكم الإعدام بعد فشل تنفيذه بحق كريستا بايك
عقوبة الإعدام بين مطلب المحاسبة وكرامة الإنسان
نجت كريستا بايك، البالغة من العمر 50 عاماً، في 30 سبتمبر من جرعتين من حقنة الإعدام القاتلة في أحد سجون ولاية تينيسي الأمريكية، وهي اليوم في المستشفى. كانت بايك في الثامنة عشرة من عمرها عندما قتلت كوليِن سليمر، ذات التاسعة عشرة، سنة 1995، فحُكم عليها بالإعدام. وبعد فشل التنفيذ علّق حاكم الولاية بيل لي عمليات الإعدام حتى نهاية 2026، وأمر بفتح تحقيق مستقل.
وفي الوقت نفسه، دعا أساقفة الكاثوليك والأسقفيين في تينيسي، في بيان مسكوني، الحاكمَ إلى تحويل الحكم إلى عقوبة أخرى. وأقرّ البيان بجسامة الجريمة وبحجم الألم الذي أصاب أسرة الضحية، كما أقرّ بمسؤولية الدولة عن محاسبة مرتكبي العنف، لكنه شدد على أن المحاسبة لا يلزم أن تنتهي بموت آخر. وقال الأساقفة إن تخفيف الحكم لا ينتقص من العدالة، بل يُظهر أن العدالة لا تعني الانتقام، وأن الولاية تستطيع أن تختار الاعتدال والرحمة.
وجدّد الأساقفة دعوتهم إلى إلغاء عقوبة الإعدام كلياً، لأنها عقوبة لا رجعة فيها وقد تغلق باب التوبة والإصلاح. وتذكّر الكنيسة الكاثوليكية في هذا السياق بأن البابا فرنسيس عدّل سنة 2018 نص التعليم المسيحي بحيث صارت عقوبة الإعدام، في ضوء الإنجيل، غير مقبولة لأنها اعتداء على حرمة الإنسان وكرامته.
البنتاغون يستحدث مكتباً للشؤون الدينية يرتبط مباشرة بوزير الدفاع
الدين والمؤسسة العسكرية في الولايات المتحدة
أعلن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسث هذا الأسبوع إنشاء «مكتب للشؤون الدينية» داخل البنتاغون، يرتبط به مباشرة، وقال إن الجيش يرتدي «سلاح الله الكامل». وتؤكد وزارة الدفاع أنها لن تُلزم أحداً بالمشاركة في أي نشاط ديني.
المقال الذي تتناوله النشرة هو عمود رأي في صحيفة الغارديان بقلم آروة مهداوي، وهو ينتقد الخطوة بوضوح. فالكاتبة ترى أنها حلقة في مسار أوسع لإدخال المسيحية إلى الحياة العسكرية، تشمل خدمات صلاة شهرية داخل الوزارة. وتشير إلى مخاوف منظمة «أمريكيون متحدون من أجل فصل الكنيسة عن الدولة»، التي رفعت دعوى على البنتاغون بسبب هذه الخدمات، وتعدّ أن مجمل الإجراءات يخدم أجندة قومية مسيحية.
تبقى هذه المواقف رأياً صحفياً لا حكماً قضائياً، لكن الجدل الذي تثيره حقيقي. فالسؤال الدستوري المطروح في الولايات المتحدة هو كيف يُصان حق الجنود المتدينين في ممارسة شعائرهم، دون أن تتحول مؤسسة عامة إلى منبر لدين بعينه.
لجنة قانونية في سينودس الكاثوليك تقترح إدراج «عصمة جماعة المؤمنين» في القانون الكنسي
الإصغاء إلى شعب الله وحدود السلطة في الكنيسة
نشرت الأمانة العامة للسينودس في 30 سبتمبر 2026 التقرير النهائي للجنة القانونية المنبثقة عن السينودس حول السينودسية. وتضم اللجنة عشرة قانونيين برئاسة المطران فيليبو إيانّوني، رئيس دائرة الأساقفة في الفاتيكان. وهي تقترح مراجعة نحو ثلاثين قاعدة من قواعد القانون الكنسي، من بينها القانون 749 الذي ينظّم التعليم «المعصوم» في الكنيسة.
أبرز الاقتراحات أن يُضاف إلى هذا القانون مبدأ أن جماعة المؤمنين كلها، بما نالته من مسحة الروح القدس، لا تخطئ في أمور الإيمان، وأن يُذكر ذلك قبل الحديث عن عصمة البابا ومجمع الأساقفة. وتتناول المقترحات أيضاً توسيع دور العلمانيين والنساء في الحياة الكنسية، ومنه المشاركة في المحاكم الكنسية والمجالس الرعوية.
ويؤكد التقرير أن سلطة القرار لدى الأسقف ومجمع الأساقفة والبابا تبقى قائمة، وأن الغاية تعزيز الاستشارة والتمييز. غير أن منتقدين يخشون أن تُقرأ الصيغة الجديدة على أنها انزلاق نحو كنيسة تحكمها الأغلبية. ولم يتغير القانون الكنسي بعد، فالاقتراحات ما زالت تنتظر دراسة البابا ليو الرابع عشر.
هل كان نابليون مسلماً؟ مقطع لمسجد باريس الكبير يعيد الجدل
التاريخ بين الاهتمام بالإسلام والحسابات السياسية
نشر مسجد باريس الكبير يوم 1 أكتوبر 2026 مقطعاً مصوراً يقول فيه المؤرخ والدبلوماسي السابق لويس بلان إن اعتناق نابليون بونابرت الإسلام أمر لا جدال فيه. وجاء المقطع على هامش محاضرة قدّمها بلان في المسجد حول كتابه الجديد «نابليون والجزيرة العربية»، ضمن لقاءات «أربعاء المعرفة».
لكن مؤرخين كثيرين يعترضون على هذه الأطروحة، ويرون أن علاقة نابليون بالدين كانت تحكمها الحسابات السياسية قبل أي اعتبار آخر. فالمؤرخون يتفقون على أنه كان مهتماً بالإسلام وبشخصية النبي محمد، وأنه أكثر من التصريحات الإيجابية عن الإسلام خلال حملته على مصر لكسب السكان المحليين. وحتى منشور المسجد على وسائل التواصل يميّز بين اهتمامه الحقيقي بالإسلام واستراتيجيته السياسية في مصر.
تكشف هذه الحادثة كيف يتحول التاريخ بسرعة إلى مادة للجدل العام. وتبقى الحاجة قائمة إلى التمييز بين الاهتمام بدين ما واحترامه، وبين اعتناقه فعلاً، وإلى الاحتكام إلى الوثائق لا إلى العناوين اللافتة.
مسجد الفضل في لندن يحتفل بمئويته: «منارة سلام» في قلب الضواحي
المساجد والذاكرة الاجتماعية في بريطانيا
بعد مئة عام بالضبط على افتتاحه، يحتفل مسجد الفضل في منطقة واندسوورث بجنوب لندن بذكراه المئوية. وهو أقدم مسجد في العاصمة البريطانية، ويرتاده أتباع الجماعة الأحمدية في بريطانيا، وهي جماعة تعرّف نفسها بأنها إسلامية، فيما لا تعترف بها تيارات إسلامية كثيرة. بناؤه الأبيض ذو القبة الخضراء مصنّف تراثياً لدى هيئة التراث الإنجليزي منذ 2018، وقد حضر افتتاحه نحو 600 ضيف.
موّل شراء الأرض في معظمه مسلمون أحمديون من قاديان في الهند، كثير منهم نساء بِعن حليّهن لإقامة أول مسجد في لندن. واستُخدم المبنى ملجأً من الغارات الجوية في الحرب العالمية الثانية، ثم مركزاً للتبرع بالدم والتطعيم ضد كوفيد-19. ويقول القائمون عليه إن شعاره «حب للجميع، كراهية لأحد»، وإنهم يوزعون الحلوى على أطفال الحي في العيد، ويحتفلون بالمئوية بتقديم عشرة آلاف وجبة مجانية للمشردين.
وتنقل الصحيفة عن سجلات المسجد أن إمامه في الثلاثينيات، عبد الرحيم درد، أدى دوراً في تطورات سبقت قيام باكستان، إذ أقنع محمد علي جناح بالعودة إلى الهند. وفي المقابل، يشير مسؤول في الجماعة إلى أن المسجد لم يعرف كثيراً من الإسلاموفوبيا، لكن حالات مضايقة بسيطة ازدادت، كمرور سيارات تطلق أبواقها بعدوانية.
في الهند.. عشاء نباتي لقمة «بريكس» يشعل جدلاً حول الطعام والهوية
النباتية أداة انقسام بين الهندوس والمسلمين
أثار العشاء الرسمي «النباتي بالكامل» الذي أُقيم في 12 سبتمبر في نيودلهي على شرف قادة دول «بريكس» جدلاً واسعاً في الهند. فقد خلت المائدة من اللحم والسمك والبيض، وضمّت أطباقاً مثل فطر الهملايا والعدس المعروف بـ«الدال»، وهي أطباق توافقية في ظاهرها، لكنها كشفت مفارقات كثيرة في البلاد.
تقول رسالة «لوموند» من نيودلهي إن الهند، خلافاً للصورة الشائعة ولما يود القوميون الهندوس الحاكمون إظهاره، بلد يأكل أهله اللحوم؛ فلا تتبع النباتية إلا أقلية تتراوح بين 20% و30% من السكان. وقد رأى كثيرون في القائمة مساساً بالتنوع، وتقصيراً في تقاليد الضيافة التي تُعامل الضيف كأنه إله.
واشتعلت وسائل التواصل بالصور الساخرة، ومنها مقاطع مصنوعة بالذكاء الاصطناعي يظهر فيها الرئيسان الصيني والروسي يتناولان الكباب في حي نظام الدين الدلهي المشهور بمطبخه المسلم. وتعدّ الكاتبة أن الجدل يلخّص كيف يصبح النظام الغذائي، في بلد يأكل اللحم، أداة انقسام وهيمنة، خصوصاً بين الهندوس والمسلمين.
دير كهوف كييف في عين العاصفة بعد ضربة مسيّرة روسية
التراث الديني والاستقلال الروحي لأوكرانيا
في ليل 15 يونيو 2026، عند الساعة 1:19 فجراً، ضربت طائرة مسيّرة روسية انتحارية كاتدرائية الرقاد في دير كهوف كييف، وهو الصرح الذي يمثّل للأوكرانيين ما تمثله نوتردام لدى الفرنسيين. ولم يبقَ من سقف الكاتدرائية شيء، فأُقيم هيكل جديد على عجل وغُطّي بأغطية بلاستيكية من الأمم المتحدة، وتضررت القبة الذهبية جزئياً، وسُدّت النوافذ بألواح خشبية، ولا تزال رائحة السناج تملأ المكان.
وتقول مجلة «لا في» إن الرهبان تناوبوا قرابة أربع ساعات على إخراج الثياب الليتورجية والكؤوس والأيقونات، ومعها رفات القديس. ويروي الراهب ميخائيل، 34 عاماً، أن الدخان كان كثيفاً، وأن حاجز الأيقونات لم يحترق، وأن المطر نزل بعد الضربة بوقت قصير. أما كبير المهندسين في المحمية الوطنية للدير فيقول إن الوضع استقر، لكن حجم الأضرار لم يتضح بعد، وإن المياه قد تؤدي إلى تشوه بعض الأيقونات.
تتجاوز القضية حجم الأضرار المادية، فالدير في قلب صراع على الاستقلال الروحي والثقافي لأوكرانيا، بين إرث الاضطهاد السوفياتي وتنافس الكنائس الأرثوذكسية، وهو صرح يجسّد القطيعة مع موسكو.
دراسة بريطانية: اليهود في المملكة المتحدة أكثر ميلاً إلى وصف أنفسهم بالصهاينة منذ هجمات 7 أكتوبر
الهوية اليهودية والارتباط بإسرائيل ومخاوف معاداة السامية
خلصت دراسة لمعهد أبحاث السياسات اليهودية (JPR) بعنوان «يهود 8 أكتوبر»، أعدّها الدكتور ديفيد غراهام، إلى أن نسبة اليهود البريطانيين الذين يصفون أنفسهم بالصهاينة ارتفعت سبع نقاط إلى 66% بين 2022 و2025. وبحلول يونيو 2025 تضاعفت ثلاث مرات نسبة من يرون في معاداة السامية «مشكلة كبيرة جداً»، لتبلغ 50%. وبلغت نسبة من يشعرون بارتباط عاطفي قوي جداً بإسرائيل 51%، بزيادة 13 نقطة عمّا قبل حرب غزة، فيما قال 45% إن دعم إسرائيل «مهم جداً» لهويتهم اليهودية، بزيادة عشر نقاط.
لكن الدراسة تلاحظ أن اليهود الذين يصوّتون لحزب الخضر ضعف ارتباطهم بإسرائيل؛ فنسبة من يصفون أنفسهم بالصهاينة بينهم تراجعت ثلاث نقاط إلى 14% بين 2022 و2024. ويفسّر مدير المعهد جوناثان بويد ذلك بأن ناخبي الخضر اليهود غالباً علمانيون وأكثر تأثراً بالنقاش في المجتمع الأوسع. وكان الشباب بين 16 و29 عاماً أقل ميلاً إلى عدّ إسرائيل «مهمة جداً» لهويتهم، لأن تجربتهم معها ارتبطت بغزة وحماس أكثر مما ارتبطت لدى آبائهم.
ويربط بويد هذا النمو في الارتباط بإسرائيل بالقلق من معاداة السامية في بريطانيا، وبكون إسرائيل وطناً لليهود، ويشير إلى أن 70% من يهود بريطانيا لهم أصدقاء وأقارب هناك. وتجدر الإشارة إلى أن البحث سبق تصويت المؤتمر الأخير لحزب الخضر على مقترح يصف الصهيونية بالعنصرية. وتعتمد الدراسة على عينة من 2500 شخص من جالية يهودية بريطانية تضم 315 ألفاً.
شكراً لقراء «نشرة سُبْحة» على المتابعة. نلتقي في العدد المقبل مع رصد جديد لأهم التحولات الدينية والروحية والثقافية في المغرب والعالم.




