تحمل المخرجة النرويجية مونا فاستفولد في فيلمها الجديد «وصية آن لي» تجربة سينمائية تتناول بالدقة والحس التاريخي مسيرة إحدى الشخصيات الدينية الأكثر غموضاً في القرن الثامن عشر، هي آن لي، المؤسسة لما عُرف لاحقاً بجماعة «الشايكرز» في بريطانيا وأمريكا الشمالية. ينتقل العمل بين السيرة والخيال الشعائري، مزاوجاً بين توثيق الوقائع والتمثيل الرمزي للانخطاف الروحي الذي وسم حياة هذه المرأة.
يُقسَّم الفيلم إلى فصول تتتبع تطوّر آن لي منذ طفولتها في مانشستر سنة ١٧٣٦ في بيئة عمل فقيرة متشددة دينياً، وصولاً إلى مراحل نضوجها الروحي داخل دوائر البروتستانت المتأثرين بتعاليم جماعة «الكويكرز». من خلال هذه التجربة تنشأ قناعتها بأن الخلاص من الخطيئة يمر عبر تطهير الجسد وانفصاله عن الرغبات الأرضية. هذا الإيمان المطلق يدفعها إلى مناهضة العلاقة الجسدية بين الرجل والمرأة، ما يثير خلافاً عميقاً مع زوجها أبراهام، ويقود أتباعها إلى الاضطهاد والنفي قبل أن يقرروا الهجرة إلى أميركا بحثاً عن موطئ جديد لعقيدتهم الناشئة.
تُعيد فاستفولد رسم هذه الرحلة بصرامة بصرية متقنة، تجمع بين الحس التاريخي والدخول في عالم داخلي متحوّل تملؤه الرؤى والهواجس. تعتمد الكاميرا لغة بطيئة تتنفس معها الصورة كما لو كانت مشاركة في الطقوس الجماعية التي يؤديها المؤمنون في حلقات رقص وإنشاد. هذه المراسيم التي تشكّل جوهر العقيدة الشايكرية تتحوّل في الفيلم إلى لحظات تأملية تزيل المسافة بين المشاهد وأفراد الجماعة.
الموسيقى التي صاغها المؤلف البريطاني دانييل بلومبرغ، الحائز جائزة الأوسكار عن فيلم «ذا بروتاليست» العام الماضي، تمثل محوراً أساسياً في بنية العمل، إذ يستند إلى الأشعار والترانيم الأصلية للشايكرز ليبني منها نسيجاً صوتياً يمزج بين الجوقة الإيمانية والإيقاعات الجسدية. أما تصميم الرقص الذي ابتكرته سيليا رولسن-هول، فيجاري هذه المقاربة بمزيج من الدقة الطقسية والحيوية الموجودة في الجسد المعاصر.
تتجنب المخرجة الانغماس في الجدل اللاهوتي المتعلق بأفكار الطائفة البروتستانتية المتشددة. تفضل التركيز على المسار الإنساني لامرأة تواجه أقدارها بإيمان قوي. يشكّل الفيلم بذلك تأملاً في الكفاح الفردي من أجل تحقيق رؤية تخص صاحبها وحده. حيث تبدو الجماعة عند فاستفولد مرآةً لحالة فنية لا تقل عمقاً عن تجربتها الإبداعية الشخصية. تحضر فكرة الخلق الجماعي بوضوح؛ فالتعاون بين الكتّاب والموسيقيين والممثلين يُقدَّم كقيمة موازية للإيمان المشترك الذي يوحّد أبناء الطائفة.
يبرز الاهتمام الحرفي في كل عنصر بصري من المشاهد: تناغم الألوان الترابية، تدرجات الضوء داخل المزارع والمنازل، والعناية الفائقة بتفاصيل الملابس والأدوات التي استخدمها المستوطنون الأوائل. تُقدَّم هذه العوالم بميزان رصين يجعل من الفيلم أقرب إلى لوحة فنية متحركة، لا مجرد سرد تاريخي لسيرة شخصية دينية.
تؤدي أماندا سيفريد دور آن لي بقدرة درامية لافتة، تجمع فيها بين الانكسار الخارجي والصلابة الداخلية. وقد نالت عن هذا الأداء ترشيحاً لجائزة الـ«غولدن غلوب» في يناير الماضي. عبر نظراتها الحادة وتوتر حركتها، تنقل الممثلة النزاع بين الجسد المقيد والروح الطامحة إلى الانعتاق، لتجعل من الشخصية محوراً درامياً يتجاوز حدود الزمان والمكان.
«وصية آن لي» هو إنتاج بريطاني أميركي مشترك يديره كاميرا واعية بالتفاصيل ووعي أنثوي هادئ. يقارب الحدث التاريخي من زاوية تأملية تنأى عن العظة الدينية أو الحماسة الأيديولوجية. إنه عمل يستقصي فكرة الإيمان من مدخل جمالي، ويعيد تسليط الضوء على الدور الغائب لامرأة وجدت في الرقص وسيلة لتوحيد الجسد مع ما تعتبره الحقيقة الإلهية.



