شهدت الرباط خلال شهر مارس 2026 تنظيم حفل لتكريم مجموعة من حفظة القرآن الكريم من ذوي الإعاقة البصرية، الذين تأهلوا في مسابقة وطنية مخصصة للمكفوفين في حفظ كتاب الله وتجويده. وجاء هذا التتويج في سياق دينامية أوسع يعرفها مجال مسابقات القرآن الكريم على الصعيد الوطني، حيث تتعدد الصيغ والفئات المستهدفة، بما فيها الطلبة الأجانب والشرائح ذات الاحتياجات الخاصة.
الحفل الذي احتضنته إحدى الفضاءات الدينية التابعة لمؤسسات الشأن الإسلامي في العاصمة، جمع بين المتوجين وأسرهم وأطر دينية وتربوية، إلى جانب ممثلين عن مؤسسات معنية برعاية الأشخاص في وضعية إعاقة بصرية. وتم خلال هذا الموعد تسليم جوائز مادية وشهادات تقدير للمشاركين المتفوقين، في إشارة رمزية إلى الاعتراف بجهودهم في حفظ القرآن الكريم واعتمادهم على وسائل بديلة في التعلم، مثل طريقة برايل والوسائط السمعية، في مسار يتطلب تركيزاً طويل الأمد وانضباطاً يومياً.
المسابقة الوطنية الخاصة بالمكفوفين تندرج ضمن شبكة أوسع من المسابقات القرآنية التي يشرف عليها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ومجالس العلماء المحلية والجهوية، سواء من خلال جائزة محمد السادس الوطنية للقرآن الكريم أو من خلال مسابقات متخصصة أخرى. وتقوم هذه التظاهرات على مراحل إقصائية محلية وجهوية، قبل الوصول إلى النهائيات التي تفرز المتوجين في فئات الحفظ الكامل، والحفظ مع الترتيل، والتجويد، وفق قراءات متعددة معتمدة.
ويعكس تخصيص مسابقة وطنية لفائدة غير المبصرين حضوراً متزايداً لمقاربة إدماجية في تدبير الحقل الديني، حيث يتم الاهتمام بفئات كانت غالباً على هامش المسارات التعليمية النظامية، مع توفير فضاءات تنافس متكافئة قدر الإمكان. كما يسمح هذا النوع من المبادرات بإبراز نماذج لطلبة وحفظة تمكنوا من تجاوز قيود الإعاقة البصرية عبر الاستثمار في الحفظ والاستماع، ليجدوا في المسابقات فرصة لإبراز كفاءاتهم وإثبات قدرتهم على الولوج إلى فضاءات التميز العلمي والديني.
في موازاة ذلك، تشهد مدن أخرى تنظيم مسابقات قرآنية لفائدة طلبة أجانب من إفريقيا وآسيا يدرسون في الجامعات المغربية، مثل المسابقة التي احتضنتها جهة الشرق بمشاركة طلاب من 25 بلداً. ويبرز هذا الامتداد البعد الخارجي للدينامية القرآنية في المغرب، حيث تتحول المسابقات إلى فضاءات للتواصل الثقافي والديني بين جنسيات مختلفة، في تفاعل تتقاطع فيه التجارب الفردية للحفظ مع المسارات التعليمية الجامعية.
وتشير معطيات المسابقات القرآنية الدولية التي تشرف عليها مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة إلى نمط عمل قريب من النموذج الوطني، يقوم على إقصائيات محلية في عدد من الدول، تفضي إلى نهائيات قارية يتبارى خلالها حفظة من بلدان متعددة في فئات الحفظ الكامل وقراءة ورش والتجويد. وتمنح هذه التظاهرات جوائز تشجيعية للفائزين، لكنها تؤسس في الآن ذاته لشبكات من القراء والحفظة، وتخلق تقاليد تنافسية دينية عابرة للحدود الوطنية.


