تستعد نخبة من الباحثين والخبراء في مجالات التاريخ والتراث والعمارة لعقد ندوة علمية دولية مخصصة للتأمل في خصوصيات العمارة الدينية في العالم المتوسطي والغرب الإفريقي، بوصفهما فضاءين تراكبت فيهما على مدى قرون تعابير عمرانية متعددة عن التجارب الروحية والرمزية للمجتمعات. وتأتي هذه المبادرة في لحظة يتزايد فيها الاهتمام الأكاديمي بأسئلة العمران والمجتمع، وما يستتبعه ذلك من محاولات لتجديد المقاربات المعتمدة في قراءة الإرث المعماري الديني وربطه بتحولات الحاضر.
وترى الجهة المنظمة للندوة أن العمران الديني يشكل أحد أبرز الأشكال المعبرة عن البعد الروحي للحضارات الإنسانية، إذ يزاوج بين الوظيفة التعبدية والرمزية والدينية من جهة، وبين الأبعاد الجمالية والفنية من جهة أخرى، بما يجعله واجهة ملموسة للعلاقة التي يقيمها الإنسان مع عالمه الروحي داخل المجال العمراني. ويوصف الفضاء المتوسطي والغرب الإفريقي بأنهما من بين أبرز المجالات التي عرفت، منذ عصور مبكرة، تواجد ديانات سماوية وديانات وضعية ومعتقدات محلية متجاورة، الأمر الذي أسفر عن أنماط معمارية متنوّعة تجسّد هذا التعدد في أشكال بناء المعابد والكنائس والمساجد والزوايا وغيرها من المنشآت ذات الطابع الديني.
ويذهب المنظمون إلى أن هذه المسارات التاريخية المتراكمة أفرزت، عبر الأزمنة، فسيفساء معمارية واسعة يجب التعريف بخصوصياتها وبكيفية تأثرها بالبيئة المحيطة، سواء الطبيعية منها أو البشرية. فالواجهات والزخارف وخطط البناء وأنماط توزيع الفضاءات الداخلية تكشف جميعها عن طرائق مختلفة في تمثّل المقدس وتنظيم الممارسات التعبدية. ومن هنا تنبع، في نظرهم، الحاجة إلى قراءة جديدة لهذا التراث، تنظر إليه ليس فقط بوصفه شواهد مادية على الماضي، بل باعتباره أيضًا مادة حية تسمح بفهم تحولات الذهنية الجماعية وأنماط العيش.
كما تؤكد الورقة التقديمية للندوة أن الروابط التاريخية بين ضفتي المتوسط، في تفاعلها مع امتداداتها في الغرب الإفريقي، تشكل شاهدًا على مسارات طويلة من التأثير المتبادل والانتقال الثقافي بين الشمال والجنوب والشرق والغرب. ويُنظر إلى المجالين المتوسطي والإفريقي على أنهما جسرا عبور بين ثلاث قارات، حيث عبرت من خلالهما أفكار وعقائد وأساليب بناء، فتركت أثرها على المعمار الديني كما على باقي المكونات العمرانية. وتنعكس هذه الدينامية في تعدد الطبقات الزمنية والحضارية التي يمكن قراءتها على واجهات المباني الدينية وتعاقب أدوارها في الحياة العامة.
وتشير المعطيات نفسها إلى أن المنشآت الدينية لم تكن، في تاريخها الطويل، مجرد فضاءات لأداء الشعائر، بل تحولت في غير موضع إلى مراكز للعلم وإنتاج المعرفة، وإلى نقاط ارتكاز للسلطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فقد احتضنت هذه المعالم حلقات الدرس، واجتماعات النخب، وطقوس التفاوض والتعبئة، مما يجعلها اليوم موضوعًا غنيًا للبحث الأكاديمي، خاصة في حقول التاريخ والتراث والآثار والعلوم الاجتماعية. ويُنتظر أن تتيح الندوة الفرصة للاقتراب من هذه الأبعاد المركّبة، عبر مقاربات متعددة الاختصاصات.
ويُعوَّل على هذا اللقاء العلمي في المساهمة في بلورة رؤى جديدة للتعاطي مع قضايا العمران الديني ضمن التحولات المعاصرة، سواء تعلّق الأمر بإشكالات حفظ التراث وصيانته، أو بأسئلة توظيفه في التنمية الثقافية والسياحية، أو بسبل إدماجه في النقاش العمومي حول هوية الفضاءات الحضرية. كما يُرتقب أن يشكل فضاءً لتقاطع تجارب باحثين من الضفة الجنوبية والشمالية للمتوسط ومن الغرب الإفريقي، بما يتيح تبادل الخبرات حول طرق قراءة هذه العمارة، وكيفية ضمان استمراريتها كرافد من روافد الذاكرة المشتركة بين مجتمعات متباينة يجمعها حوض حضاري واحد.


