في الرباط، برزت مبادرة فكرية ولاهوتية يقودها الباحث الكاميروني جان باتريك نكولو فانغا ضمن ديناميات متنامية للحوار الإسلامي المسيحي بالمغرب، حيث اختار شخصية مريم لتكون محور قراءة مشتركة بين المرجعتين القرآنية والإنجيلية، بما يجعلها نقطة التقاء تتجاوز حدود الجدل العقائدي نحو أفق تقارب روحاني وإنساني أوسع. هذه المقاربة تنسجم مع توجّه مؤسسات أكاديمية ودينية مغربية وأجنبية لاستثمار الرموز المشتركة في بناء خطاب تواصلي جديد بين المؤمنين من ديانتين توحيديتين تتقاسمان حضور مريم في وجدانها الديني والنصي.
المبادرة التي احتضنتها أوساط فكرية وكنسية في الرباط تندرج ضمن مسار أوسع تشكّل عبر السنوات الأخيرة حول معهد العلوم اللاهوتية «الأخوة» المعروف باسم معهد «ألموافقة» الذي أصبح منصة مشتركة لتكوين طلبة ولاهوتيين من خلفيات مسيحية مختلفة، في تفاعل مباشر مع البيئة الدينية الإسلامية المغربية. هذا الفضاء العلمي، الذي نشأ استجابة لتحولات عميقة عرفها حضور المسيحيين الأفارقة والأوروبيين في المغرب خلال العقود الماضية، يسعى إلى بلورة مقاربات هادئة للعلاقة بين الأديان تركّز على المعرفة المتبادلة بدل السجال.
اختيار مريم في هذا السياق ليس قرارا رمزيا صرفا، بل يقوم على قراءة دقيقة لموقعها في النصين المقدّسين؛ فهي في التصور الإسلامي شخصية مصطفاة تحتل مكانة استثنائية في القرآن، حيث تُذكر باسمها الصريح ويُخصَّص لها خطاب ديني مستقل، فيما تعدّ في المسيحية مرجعا روحيا ولاهوتيا أساسيا في فهم سر التجسد ومسار الخلاص. هذا التقاطع في المركزية الرمزية يسمح لباحثين مثل نكولو فانغا باقتراح مريم كجسر تأملي يمكن من خلاله إعادة صياغة الأسئلة الكبرى حول الوحي والنبوة والقداسة من زاوية احترام متبادل، من دون محاولة نفي خصوصية كل منظومة إيمانية.
الرباط، بما تحتضنه من مؤسسات أكاديمية دينية إسلامية ومسيحية، تحوّلت تدريجيا إلى مختبر حي لهذا النوع من اللقاءات الفكرية، حيث تتقاطع مبادرات معهد «ألموافقة» مع حلقات دراسية وندوات ينظمها باحثون مغاربة وأجانب حول التأويل، والعيش المشترك، وتاريخ النظرة المسيحية إلى الإسلام انطلاقا من المغرب. هذا التفاعل يغذيه حضور جاليات مسيحية قادمة أساسا من إفريقيا جنوب الصحراء، وجمهور طلابي وافد، ما يخلق حاجة موضوعية إلى فضاءات نقاش منظم حول كيفية إدارة التعدد الديني في بلد ذي أغلبية مسلمة وإرث تاريخي خاص في تنظيم الحقل الديني.
في هذا الإطار، تأتي مساهمة نكولو فانغا كحلقة إضافية في نقاش علمي يتناول ليس فقط الخطاب اللاهوتي الداخلي للكنائس، بل أيضا طريقة تمثل الإسلام من داخل التجربة الكنسية المعاشة في المغرب، حيث يدفع حضور الإسلام اليومي إلى مراجعة مقاربات كلاسيكية وإنتاج قراءات أكثر قربا من الواقع. ويمنح التركيز على موضوعات مثل صورة مريم في الإسلام والمسيحية للباحثين فرصة لمساءلة التراث التفسيري لكلا الجانبين، واختبار قدرة النصوص على إنتاج مساحات التفاهم بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج حدود الاختلاف.
هذا المسار المعرفي لا يقف عند حدود التنظير، إذ تستثمره مؤسسات وشخصيات كنسية وإسلامية في الرباط خلال لقاءات وموائد مستديرة تستهدف تكوين أجيال من الفاعلين الدينيين القادرين على مخاطبة الآخر بلغة علمية هادئة، مع الحفاظ على التزامهم بعقيدتهم. كما أن تكرار تنظيم أيام دراسية حول موضوعات مشتركة، مثل قراءة النصوص المقدسة أو دراسة سير شخصيات تاريخية مسيحية تعاملت مع الإسلام من موقع معرفي، يساهم في ترسيخ تقليد حواري يراهن على الزمن الطويل وعلى التراكم البحثي.
من خلال هذا التراكم، تتبلور في العاصمة المغربية تجربة خاصة في الحوار الإسلامي المسيحي، لا تقوم على شعارات عامة بل على عمل أكاديمي متدرج، يختار موضوعات محددة قابلة للفحص النصي والتاريخي مثل صورة مريم، وحدود التأويل، ومسارات التلاقي بين الوجدانين الدينيين. ويمنح هذا الأسلوب للمغرب موقعا مميزا في خريطة الحوار بين الأديان على مستوى المنطقة، حيث يجري اختبار صيغ جديدة للتعايش المعرفي والديني تستند إلى تفاعل يومي بين باحثين وطلبة ومؤمنين يتقاسمون نفس المجال الاجتماعي مع اختلاف انتماءاتهم العقدية.


