تحولات التدين داخل الأسرة المغربية المعاصرة

أضيف بتاريخ 04/10/2026
دار سُبْحة

تكشف نتائج «البحث الوطني حول الأسرة 2025» الذي أنجزه [المندوبية السامية للتخطيط بعد ثلاثين عاما على النسخة الأولى لسنة 1995، عن انتقال هادئ في المنظومة القيمية داخل الأسر المغربية، حيث لم تعد المرجعية الدينية تتصدر سلم الأولويات كما كانت من قبل، دون أن تغيب عن المشهد أو تفقد حضورها الرمزي. فخلف استقرار صورة الأسرة كخلايا أساسية للنسيج الاجتماعي، تبرز ملامح إعادة ترتيب دقيقة للأدوار والمعايير التي توجه الاختيارات الفردية والجماعية داخلها.



تظهر معطيات البحث أن قيم النزاهة والاحترام العائلي وتحمل المسؤولية تتقدم بوضوح على التدين الصريح ضمن القيم التي يحرص الآباء على توريثها للأبناء، ما يعكس أولوية الفضائل العملية القابلة للاستخدام في الحياة اليومية على حساب الانتماءات العقائدية المباشرة. ويتماشى هذا المسار مع سياق التحول الاجتماعي الذي طبع العقود الأخيرة، من تعميم نسبي للتمدرس، إلى توسع الحواضر وتنوع أنماط العيش، وصولا إلى حضور المنصات الرقمية في تشكيل التصورات حول النجاح والفشل، والواجب والحق.

في حقل الاختيار الزوجي، تسجل نتائج البحث تراجعا ملحوظا لمعيار الورع الظاهر لصالح الاعتبارات الأخلاقية العامة، والمعايير النفسية والعاطفية، ثم المحددات الاجتماعية والاقتصادية، ما يعني أن قرار الزواج بات أقرب إلى مشروع تفاوضي يخضع لحسابات الاستقرار المادي والتوافق الوجداني والانسجام القيمي بين الطرفين. كما أن نسبة مهمة من الشباب غير المتزوجين تربط العزوف عن الارتباط بضغوط الكلفة المعيشية ومتطلبات المسار الدراسي والمهني، وهو ما يرسخ رؤية أكثر تعقلا للزواج بوصفه استثمارا في مسار الحياة، لا مجرد امتثال لتمثلات دينية أو عائلية سابقة.

في موازاة ذلك، تكشف المؤشرات الديموغرافية عن انحسار لافت لزواج الأقارب وتراجع كبير للزواج المدبّر عائليا مقارنة بما كان عليه الوضع منتصف التسعينيات، بالتوازي مع تقدم الزواج الناتج عن التعارف في الفضاءات التعليمية أو المهنية. كما ارتفع متوسط سن الزواج الأول لدى الرجال والنساء، فيما تظهر فئة متزايدة من العازبين الذين يعلنون صراحة عدم رغبتهم في الزواج، مع ميل أكبر إلى هذا الموقف لدى الرجال. هذه المعطيات مجتمعة تحيل على اتساع هامش القرار الفردي داخل مؤسسة الأسرة، وتخفف من وزن الاعتبارات القرابية والتراتبية التقليدية في توجيه الاختيارات المصيرية.

لا تعكس هذه التحولات انفصالا راديكاليا عن المرجعية الدينية بقدر ما تجسد إعادة تموضعها داخل الفضاء الحميمي، حيث تصبح الدينامية القيمية مبنية على مزيج من الموروث والاختيار الشخصي والتجربة الحياتية. فهواجس أرباب الأسر التي يرصدها البحث تتجه أساسا نحو ضعف الروابط العائلية وتأثير الشبكات الاجتماعية وتحول منظومة القيم الاجتماعية، أكثر مما تنصرف إلى تراجع الممارسات التعبدية أو مظاهر التدين. وتحتل الفردانية مرتبة ثانوية ضمن دواعي القلق، ما يوحي بأنها تُستوعَب داخل الأسر كاستجابة عملية لضغوط التحول الحضري والاقتصادي، لا كقطيعة مع المرجع الأخلاقي المتوارث.

من هذا المنظور، تبدو ملامح نموذج اجتماعي مركّب، تتجاور فيه أسرة نووية متزايدة التماسك الداخلي مع شبكة من الروابط القرابية التي تعيد تعريف نفسها وفق إكراهات السكن والعمل والتنقل. وتستمر القيم الدينية في أداء وظيفة رمزية ومعيارية، لكنها تتشارك أكثر فأكثر المجال مع منظومة قيم كونية وعملية، كالنزاهة والالتزام والجدية، في تحديد ما يعد مرغوبا أو مقبولا أو مجافيا للمصلحة الأسرية. بهذا المعنى، لا يتجه مسار التحول نحو قطيعة مع الدين بقدر ما يتجه نحو تعقيد العلاقة معه، عبر إدماجه في منظومة أوسع من المرجعيات التي تنظم الحياة اليومية والعلاقات داخل العائلة المغربية المعاصرة.


Rapport des premiers résultats de l'enquête Nationale sur la Famille (version Fr) Rapport des premiers résultats de l'enquête Nationale sur la Famille (version Fr)