عرفت القهوة عند بدايات انتشارها في المراكز الحضرية الكبرى في مكة والقاهرة ودمشق تحولات سريعة أثارت اهتمام الفقهاء والسلطات السياسية على السواء، بعدما خرجت من نطاق الاستعمال الروحي الضيق في أوساط المتصوفة اليمنيين لتتحول إلى ظاهرة اجتماعية واسعة الحضور في مطالع القرن السادس عشر الميلادي. فقد ارتبطت هذه النبتة في الوعي الديني واللغوي المبكر باسمها العربي القديم «قَهْوَة»، وهو اللفظ الذي استُخدم في نصوص تراثية للإشارة إلى الخمر على سبيل المجاز، الأمر الذي جعل بعض العلماء يتوجسون من منح المشروب الجديد الاسم نفسه الذي أُطلق على الشراب المحرَّم، خشية أن يُعامَل في الحكم الشرعي معاملته أو أن يُنظَر إليه بوصفه امتداداً له في المجال الاجتماعي.
قبل أن تخرج القهوة من فضاء الزهد والتبتل، ارتبط ظهورها الأول بروايات تنسب استعمالها إلى مشايخ المتصوفة في اليمن ممن كانوا يبحثون عن شراب يعينهم على إحياء الليل بالذكر وتلاوة القرآن وحلقات المراقبة الروحية، فغدت وسيلة لضبط اليقظة وتثبيت التركيز لا مصدراً للمتعة العابرة، كما يذكر العالم عبد القادر الجزيري في مصنفه «عمدة الصفوة في حل القهوة» الذي يُعد من أوائل المؤلفات التي قدّمت دفاعاً فقهياً وتاريخياً منظماً عن هذا المشروب. ومع تحوّل القهوة إلى مشروب متداول خارج الزوايا والتكايا، ظهرت «المقاهي» بوصفها فضاءات جديدة للقاء والتسامر والإنشاد، تضم تجاراً وطلبة علم وشعراء وحرفيين، وتسمح بتخفيف صرامة الحواجز الاجتماعية، الأمر الذي جعلها تُقارَن أحياناً بحانات الخمر في المخيال المحافظ لدى بعض رجال الدين والإدارة.
هذا التحول الاجتماعي ترافق مع سجال فقهي حاد بين مبيحين ومحرمين، استند الفريق الثاني إلى دلالات لفظ «قهوة» وإلى ما اعتبروه تأثيراً على صفاء الذهن يشبه ما تفعله المسكرات، بينما رأى المبيحون أن معيار التحريم في النصوص المؤسسة يدور حول الإسكار لا مجرّد التنشيط أو تغيير المزاج. وفي سياق هذا الجدل برز عدد من العلماء الذين نظروا بعين الريبة إلى المقاهي باعتبارها مجالاً لتداول الأخبار والآراء الحرة وربما التندر على السلطة، فتقاربت في خطابهم صورة شارب القهوة مع صورة مرتاد مجالس الخمر من حيث الخروج عن المألوف والاقتراب من أجواء الترفيه غير المنضبط، الأمر الذي دفع بعض الولاة إلى استعمال أدوات الفقه لتسويغ قرارات الضبط والإغلاق.
بلغ التوتر حول القهوة ذروته مع صدور قرارات تحريم صريحة في عدد من حواضر العالم الإسلامي؛ إذ نُسب إلى الوالي المملوكي خير بك في مكة في مطلع القرن السادس عشر أنه جمع الفقهاء والأطباء واستند إلى قول من اعتبر القهوة «مُسكِرة» ليعلن المنع ويأمر بمصادرة البن ومعاقبة من يصر على تناوله، قبل أن تُراجَع هذه الإجراءات لاحقاً مع تغيّر الموقف في القاهرة حيث مال السلطان ومستشاروه إلى اعتبارها مشروباً مباحاً نافعاً للصحة. ثم تتالت الحملات على المقاهي في مدن أخرى، فشهدت القاهرة في عهد الوالي العثماني داوود باشا قرارات بإغلاق بعض هذه الأماكن ومصادرة مخزونها، بينما أقدم السلطان العثماني مراد الرابع في القرن السابع عشر على هدم مقاهٍ في إسطنبول والتشدد في ملاحقة روّادها باعتبارها نقاط تجمع محتملة للمعارضين والمتذمرين.
وسط هذه الموجات من التحريم الجزئي والرقابة الصارمة، لعب الشعر دوراً لافتاً في إعادة صياغة صورة القهوة والدفاع عنها رمزياً؛ فقد عُدّ الفقيه والشاعر المغاربي أبو الفتح التونسي المقيم في دمشق من أبرز من نظموا القصائد في تمجيد هذا المشروب، مقدماً القهوة بوصفها نقيضاً للخمر لأنها تبعث على الصفاء وتنشّط الفكر بدلاً من أن تغشاه بالغفلة، ومتوسلاً بالبناء البلاغي للقصيدة العربية الكلاسيكية التي اعتادت مدح الخمر لينقل المدح ذاته إلى «الشراب الأسود» الجديد. هذا التوظيف للشعر لم يكن مجرد ترف لغوي، بل شكل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين اللذة والحلال، عبر القول إن موضع الإشكال ليس في المتعة نفسها بل في ذهاب العقل، وبذلك أعاد بعض الأدباء توجيه النقاش من دائرة الحظر المطلق إلى دائرة التمييز بين أنواع التجربة الإنسانية وحدودها الشرعية.
ومع نهاية القرن السادس عشر، كانت القهوة قد ترسخت في شبكات التجارة المرتبطة بالبحر الأحمر والإمبراطورية العثمانية، مع بروز ميناء المخا في اليمن كمحطة رئيسية لتصدير البن نحو المشرق وشمال البحر المتوسط، وهو الميناء الذي سيخلّد اسمه لاحقاً في مصطلح «موكا» المتداول في اللغات الأوروبية. ومن هذه المرافئ انطلقت القهوة إلى البندقية فالموانئ الإنجليزية، حيث قوبلت بدايةً بحذر شبيه بما عرفته في المشرق، إذ صوّرها بعض رجال الدين المسيحيين شراباً وافداً من «بلاد المسلمين» يجب التحفظ منه، قبل أن تُنسب إلى البابا كليمان الثامن رواية غير موثقة تفيد بأنه تذوقها ثم حثّ على «تعميدها» وإدخالها في الفضاء المسيحي، في صورة رمزية عن انتقال المشروب من خانة الريبة إلى خانة القبول الاجتماعي الواسع.
ومع حلول القرن الثامن عشر، كانت أوروبا قد عرفت تحولاً عميقاً جعل المقاهي جزءاً من الحياة الثقافية والفكرية، حيث صارت فضاءات للمطالعة وتبادل الرأي والنقاش الفلسفي والعلمي والسياسي، وتحوّل شراب كان يُنظَر إليه سابقاً على أنه «اختراع مرير» منسوب إلى الآخر الديني إلى عنصر من عناصر الصورة الجديدة للمدينة الحديثة في عصر الأنوار. هكذا تكشف مسيرة القهوة، منذ بداياتها المتصوفة في اليمن إلى انتشارها في العواصم الأوروبية، عن تداخل الدين والاقتصاد والثقافة في صياغة الموقف من مشروب واحد، وعن قدرة الكلمة الشعرية والخطاب الفقهي معاً على إعادة تشكيل مكانة المادة في المخيال الجمعي والمجال العام عبر القرون.


