لطالما رُسمت في الذاكرة الجمعية صورة نمطية عن "مشركي مكة" في القرن السابع الميلادي؛ بوصفهم بدواً يعيشون في عزلة جغرافية ومعرفية، يعبدون حجارة صمّاء بجهالة فطرية. لكن الأبحاث التاريخية المعاصرة، وعلى رأسها أعمال المؤرخة الراحلة "باتريشيا كرونة"، تضعنا أمام "صدمة معرفية" تعيد رسم ملاح تلك الحقبة. مكة لم تكن واحة معزولة، بل كانت مختبراً فكرياً وجزءاً أصيلاً من "العصور القديمة المتأخرة" (Late Antiquity)، حيث كان المشركون طرفاً في سجال ديني عالمي معقد، يمتلكون أدوات لاهوتية وحججاً فلسفية تتقاطع مع كبرى الديانات المحيطة بهم.
وتتجلى هذه الصدمة المعرفية في خمس حقائق جوهرية تعيد صياغة فهمنا لهوية خصوم القرآن بشكل كامل.
تبدأ أولى هذه الحقائق بتفكيك مفهوم الشرك نفسه، والتساؤل عما إذا كان هؤلاء "مشركين" بالمعنى البدائي أم "موحدين بشكل مختلف" يتبنون رؤية تراتبية للألوهية. فعلى عكس المتخيل الشعبي، لم يكن "الشرك" المكي يعني الجهل بوجود الله أو إنكار وحدانيته المطلقة كخالق. بدلاً من ذلك، كان المشركون يؤمنون بـ "الله" كإله أعلى ووحيد للكون، لكنهم وضعوا تحت سلطته كائنات أدنى مرتبة—مثل اللات والعزى ومناة—واعتبروها "ملائكة" أو وسطاء إلهيين. هذا التوصيف يحوّل الصراع من "خلاف على وجود الله" إلى "نزاع لاهوتي على شرعية الوساطة". والمفارقة التاريخية الكبرى تكمن في أن الهوية الإلهية لم تكن محل نزاع في جوهرها، وهو ما تؤكده كرونة في أبحاثها بقولها إن الرسول اعترف أيضاً بإلههم على أنه إلهه، أي إله المعتقدات التوراتية (إله إبراهيم وموسى وعيسى). لقد كان الخلاف يدور حول كيف يُعبد هذا الإله، وهل يسمح بوجود "بنات" أو "شركاء" في تدبير شؤون العالم، مما يجعل المشركين أقرب إلى "موحدين منحرفين" عن الخط التوراتي الصارم منهم إلى وثنيين بدائيين.
وتظهر الحقيقة الثانية من خلال لغز "الموتة الأولى" الذي يمثل نوعاً من السخرية اللاهوتية في قلب مكة. ويستوقف الباحثين هنا تعبير لغوي دقيق ورد على لسان المشركين في القرآن: "إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَىٰ". هذا المصطلح ليس مجرد عبارة عفوية، بل هو "نقض لاهوتي" (Rebuttal) لمفهوم مركزي في الأدبيات المسيحية واليهودية القديمة، وهو "الموت الثاني". ففي سفر الرؤيا والتراجم الآرامية القديمة (التارجوم - Targum)، يُقصد بـ "الموتة الثانية" الهلاك النهائي والظفر بالدينونة بعد البعث. وعملياً، عندما يقول المشركون "هي إلا موتتنا الأولى"، فإنهم يمارسون نوعاً من "السخرية اللاهوتية"؛ وكأنهم يقولون لخصومهم المؤمنين بالبعث إنهم يعرفون أدبياتهم عن الموت الثاني والدينونة، لكنهم يؤكدون في المقابل أنه لا يوجد سوى موت واحد، ثم العدم. هذا الاطلاع على مصطلحات الـ "إسخاتولوجيا" (علم الآخرة) يؤكد أن مكة كانت تعجّ بأصداء السجالات الدينية العابرة للحدود.
أما الحقيقة الثالثة فترتبط بمعضلة الوحوش الضارية، وكيف واجه المنطق المادي المكي فكرة البعث. فلم يكن إنكار المشركين للبعث نابعاً من عناد أعمى، بل استندوا إلى حجج "عقلانية مادية" كانت سائدة في الفلسفات الوثنية اليونانية والرومانية. وكانت حجتهم المفضلة هي معضلة "الأجساد المبعثرة" (Scattered bodies)، حيث تساءلوا بكثير من التشكيك: كيف يمكن للأجساد أن تُبعث بعد أن تتفتت وتأكلها الحيوانات المفترسة، لتصبح جزءاً من كتل حيوية لأجساد أخرى؟ هذه الحجة تحديداً هي صدى لنقاشات فلسفية كبرى واجهها آباء الكنيسة الأوائل مثل "أثيناغوارس" و"تاتيان الآشوري". لقد كان المشركون "مسلحين" بنفس التشكيك المنطقي الذي استخدمه فلاسفة روما ضد المسيحيين، مما يدل على أنهم لم يكونوا منكرين عن جهل، بل كانوا يستخدمون "العقلانية" كسلاح في وجه الوحي.
وتمتد هذه المساجلة الفكرية إلى الحقيقة الرابعة التي نرى فيها عبارة "نموت ونحيا" وهي تتحول من محاكاة ساخرة إلى عقيدة دهرية راسخة. ففي حواراتهم القرآنية، يكرر المشركون هذه العبارة بترتيب يضع الموت قبل الحياة، وهو ترتيب ليس عشوائياً البتة، بل هو "محاكاة ساخرة" (Parody) لنص شهير في العهد القديم، وتحديداً في سفر التثنية (32:39): "أنا أُميت وأُحيي". فبينما ينسب الكتاب المقدس القدرة على الموت والحياة لله، قلب المشركون العبارة ليجعلوا الموت والحياة مجرد دورة طبيعية مادية يقودها "الدهر". لقد كانوا يصيغون رؤيتهم "الدهرية" (التي تنكر التدخل الإلهي في التاريخ) في قوالب لغوية تشبه الكتب المقدسة التي كانوا يسمعونها في أسفارهم إلى الشام والعراق، وهو ما يعكس وعياً لاهوتياً يسمح لهم بمساجلة "النصوص بالنصوص".
وتكتمل هذه اللوحة السوسيولوجية بالحقيقة الخامسة التي تكشف عن انقلاب مدهش في الأدوار بين الآباء المؤمنين والأبناء الماديين. تطرح "باتريشيا كرونة" هنا مفارقة مذهلة حول صراع الأجيال في مكة؛ فبينما يُصنف "الشرك" عادة كإرث موروث عن الآباء، يظهر "إنكار البعث" في القرآن غالباً كظاهرة يمثلها "جيل الشباب" المتمرد على بقايا الإيمان الإبراهيمي القديم (الحنيفية). وفي سورة الأحقاف، نجد نموذجاً لابن يقول لوالديه المؤمنين بالبعث: "أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي؟". هنا تبرز مكة كمدينة تعيش حراكاً فكرياً حاداً؛ حيث يمثل الآباء بقايا التوحيد أو الإيمان بالقيامة، بينما يتبنى الأبناء "المادية الجديدة" المتأثرة بالشكوك الفلسفية. هذا التوتر الجيلي نلمحه أيضاً في قصة "غلام" سورة الكهف وابن نوح، حيث يظهر الإنكار كظاهرة "تحديثية" متمردة على الإرث الديني التقليدي للآباء.
إن البيئة الدينية التي نزل فيها القرآن كانت أكثر ثراءً وتداخلاً مما تخيلته الروايات التبسيطية الشائعة. فالمشركون لم يكونوا مجرد "عبدة أصنام" غارقين في الجهل، بل كانوا خصوماً يمتلكون لغة منطقية واطلاعاً واسعاً على "الباريتا" (Baraita) والتقاليد اليهودية والمسيحية السائدة في زمانهم. ويقودنا هذا الاستنتاج إلى سؤال فكري عميق: إذا كان خصوم الرسول يمتلكون كل هذا الاطلاع على اللاهوت المعقد والسجال الفلسفي للعصور القديمة المتأخرة، فكيف يعيد ذلك صياغة فهمنا لرسالة القرآن كخطاب عالمي، لم يكن يواجه عقولاً فارغة، بل عقولاً كانت في قلب الصراع الفكري لزمانها؟
مواصفات الكتاب الأساسية
-
العنوان الكامل بالعربية: «المشركون والمسيحيون اليهود في القرآن».
-
المؤلفة: باتريشيا كرون (Patricia Crone)، مؤرخة ومستشرقة متخصصة في بدايات الإسلام.
-
المترجم: هشام شامية، كما يرد صراحة في بيانات النشر الرسمية.
-
الناشر: «المركز الأكاديمي للأبحاث» (بيروت/طرابلس) بالتعاون مع دار رؤية للنشر والتوزيع، سنة النشر 2019.
-
عدد الصفحات: 273 صفحة، بصيغة غلاف ورقي (paperback).



