يمثّل الأول من محرم افتتاحية السنة في التقويم الهجري القائم على الدورة القمرية، حيث يبدأ العدّ الزمني الإسلامي من حدث الهجرة النبوية من مكة إلى يثرب سنة 622 للميلاد، كما ثبّته الخليفة عمر بن الخطاب عندما اعتمد هذه الواقعة نقطة انطلاق للتقويم الرسمي للدولة الإسلامية الناشئة.
بهذا الاختيار، تحوّل حدث سياسي–اجتماعي (تأسيس مجتمع جديد في المدينة) إلى مرجع زمني كوني للمسلمين، مقابل التقاليد الأخرى التي تربط بداياتها إما بميلاد شخصية دينية أو بتأسيس كيان سياسي. وبالنسبة لعام 1448 هجرية، تشير الحسابات الفلكية إلى أن 1 محرم يقع في منتصف يونيو/حزيران 2026، مع اختلاف طفيف بين الأنظمة التقويمية الإلكترونية والهيئات الدينية الرسمية التي تشترط الرؤية البصرية للهلال، ما يفسّر الفارق بيوم أو يومين بين الدول والمناطق.
من الناحية الفقهية، لا يُصنّف يوم 1 محرم ضمن «الأعياد الكبرى» في الإسلام، إذ يقرّ الفقه السني إجمالاً بعيدين رئيسيين فقط: عيد الفطر وعيد الأضحى، بينما يُعدّ رأس السنة الهجرية مناسبة رمزية تُستحضر فيها الهجرة باعتبارها انتقالاً من وضعية الاضطهاد إلى بناء جماعة سياسية ودينية مستقلة.
لذلك لا تقترن هذه المناسبة في الغالب بصلاة جماعية مخصوصة أو شعيرة إلزامية، بل بطابع تذكّري وتأملي، مع توسّع في بعض البيئات في الأذكار والأدعية الفردية أو الجماعية. في المقابل، يكتسب شهر محرم نفسه مكانة خاصة بوصفه واحداً من «الأشهر الحرم» التي حُرّم فيها القتال في التقليد الإسلامي، كما أن اليوم العاشر منه (عاشوراء) يرتبط بطقوس وصيام وممارسات متباينة بين التقاليد السنية والشيعية، ما يمنح بداية الشهر سياقاً روحياً أوسع يتجاوز مجرد «بداية سنة جديدة» بالمعنى المدني.
اجتماعياً، يختلف حضور رأس السنة الهجرية في الفضاء العام بين البلدان ذات الأغلبية المسلمة؛ ففي عدد كبير منها يُعتمد اليوم عطلة رسمية تُغلق فيها الإدارات وتُنظَّم برامج احتفالية أو خطابية حول قيم الهجرة والتجديد الروحي، بينما يمرّ اليوم في بلدان أخرى بهدوء نسبي، مع الاكتفاء بإشارات في الإعلام وخطب الجمعة القريبة من التاريخ الهجري الجديد.
تتقاطع هذه المناسبة مع تصوّر خاص للزمن في الثقافة الإسلامية، حيث يظل التقويم القمري المرجع الأساسي للشعائر (الصوم، الحج، العيدين)، فيما يبقى التقويم الميلادي إطاراً عملياً للحياة الاقتصادية والسياسية، ما يخلق ازدواجية زمنية تُترجم عملياً في الجداول المدرسية، العطل الرسمية، والبرمجة الإعلامية. في السياقات الحضرية المعاصرة، يُستحضر 1 محرم في الشبكات الرقمية أكثر من الفضاءات الطقوسية، عبر رسائل التهنئة وسرديات الهوية والانتماء، وهو ما يعيد رسم مكانة اليوم في المخيال الجماعي بعيداً عن نموذج «الاحتفال» الصاخب المعروف في رأس السنة الميلادية.
على المستوى الصوفي، يميل عدد من الطرق إلى استثمار بداية السنة الهجرية كفرصة لإعادة تأكيد العلاقة بالسند النبوي، من خلال حلقات ذكر خاصة وقراءة سير الهجرة، وربط الانتقال التاريخي من مكة إلى المدينة بفكرة الهجرة الباطنية من «حال» إلى «حال» في سلوك المريد. غير أن هذه الممارسات لا تحظى دائماً بإجماع فقهي، إذ يميل بعض تيارات السلفية إلى التعامل بحذر مع أي طقوس إضافية غير منصوص عليها صراحة في النصوص المؤسسة، ما يعكس تبايناً في تمثّل التقويم بين من يراه مجرد أداة ضبط للزمن، ومن يتعامل معه كحامل لمعنى روحي يتجاوز الحسابات الفلكية.
هذا التباين يفتح مجالاً لعمل إعلامي وتحليلي يستكشف كيف تعيد الجماعات المختلفة تأويل تاريخ الهجرة في ضوء قضايا معاصرة مثل الهجرة القسرية، اللجوء، وإعادة بناء المجتمعات بعد النزاعات، خاصة في الفضاءات العربية والإسلامية التي تعيش تحولات سياسية حادة.
في سياق المقارنة التقويمية، يوازي رأس السنة الهجرية في البنية الرمزية احتفالات أخرى ببدايات زمنية دينية، مثل رأس السنة اليهودية (روش هشانا) أو الميلاد في التقويمين الغريغوري والقبطي، لكن مع فارق أساسي هو أن الهجرة تؤطر البداية الإسلامية كفعل حركة ومغادرة لا كمجرد ميلاد أو خلق للعالم. هذا التركيز على الفعل التاريخي يمنح 1 محرم قابلية عالية لإعادة التسييس في خطاب الحركات الإسلامية والقومية، بوصفه لحظة تؤسِّس لشرعية «الدولة–المدينة» في مقابل «الاضطهاد المكي»، وهو بُعد يحضر أحياناً في الخطب الرسمية، وأحياناً يختفي لصالح خطاب أخلاقي عام حول التوبة وبداية صفحة جديدة.


