الصحافة والدين بين منطق الجذب وإكراهات السوق

أضيف بتاريخ 03/09/2026
دار سُبْحة

تتجه الممارسات الإعلامية المعاصرة إلى تشكيل صورة محددة للدين ضمن فضاء الأخبار، حيث تحضر الأصوات ذات الطابع الحاد بوصفها الأكثر قابلية للظهور والتداول. هذا التوجه لا يرتبط بالضرورة بخيارات فردية للصحفيين، بل يتكون عبر تفاعل معقد بين اعتبارات مهنية وضغوط اقتصادية وهيكلية داخل غرف الأخبار، تفرض إيقاعاً معيناً على آليات الانتقاء والتقديم.



ضمن هذا السياق، يتكرس تصور مسبق للدين باعتباره مجالاً يرتبط بالمواقف المحافظة الصلبة أو النزعات المتشددة، وهو ما يدفع الصحفي إلى البحث عمن يجسد هذا التصور بصورة واضحة ومباشرة. هكذا يصبح الصوت الدوغمائي أكثر انسجاماً مع القالب التحريري الجاهز، بينما تتراجع المساحات المتاحة للأصوات التي تقدم قراءات هادئة أو مقاربات تفسيرية مركبة. هذا النمط لا ينتج عن نية واعية لتهميش الاعتدال، بل عن ميل عملي إلى التبسيط الذي يسهل تحويله إلى مادة خبرية قابلة للاستهلاك السريع.


في الوقت ذاته، تخضع المؤسسات الإعلامية إلى مؤشرات أداء رقمية دقيقة تقيس مدى انتشار المحتوى وتأثيره، مثل عدد النقرات ومعدلات التفاعل. هذه المؤشرات تعيد توجيه القرارات التحريرية نحو ما يحقق حضوراً أكبر في الفضاء الرقمي. وبما أن الخطاب الحاد يثير ردود فعل أقوى، فإنه يتحول إلى مادة مفضلة، ليس بسبب قيمته المعرفية، بل بسبب قدرته على جذب الانتباه. هذا التوجه يعيد ترتيب الأولويات داخل غرف الأخبار، حيث يصبح معيار الجاذبية مساوياً، وأحياناً متقدماً، على معيار التوازن.


من جهة أخرى، تميز المؤسسات الإعلامية بين ما يُعد خبراً رئيسياً وما يُصنف ضمن مواد خفيفة. في هذا التصنيف، لا يحضر الدين كموضوع مركزي إلا عندما يرتبط بحالات خلاف أو توتر أو انقسام. في مثل هذه الحالات، يُبحث عن شخصيات تعبر عن هذا التوتر بشكل مباشر، مما يعزز حضور الأصوات الأكثر حدة. أما الممارسات اليومية للدين أو التجارب الروحية الهادئة، فتُدفع إلى هامش التغطية وتُقدم ضمن سياقات اجتماعية أو ثقافية محدودة الانتشار.


العامل المهني يلعب دوراً حاسماً كذلك، إذ أدى تراجع الموارد المالية في قطاع الإعلام إلى تقليص عدد الصحفيين المتخصصين. نتيجة لذلك، يتولى صحفيون عامون تغطية موضوعات دينية معقدة تحت ضغط زمني كبير، ما يقلل من فرص البحث المتعمق عن مصادر متنوعة. في ظل هذه الظروف، يصبح اللجوء إلى المصادر الأكثر حضوراً وسهولة في الوصول خياراً عملياً، حتى وإن كان ذلك على حساب التعددية والدقة.


كما تبرز إشكالية أخرى تتعلق بضعف تمثيل المؤسسات الدينية نفسها عبر متحدثين قادرين على تقديم صورة متنوعة وواقعية عن الممارسة الدينية. هذا النقص يخلق فراغاً في المشهد الإعلامي، يتم ملؤه غالباً من قبل شخصيات تمتلك حضوراً خطابياً قوياً، بغض النظر عن مدى تمثيلها الفعلي للتجربة الدينية الواسعة. وبهذا، تتعزز دائرة الاختيار المحدود التي تعيد إنتاج نفس الأصوات والأنماط.


في المحصلة، يتشكل مشهد إعلامي يميل إلى إبراز الصراع بوصفه مدخلاً رئيسياً لتناول الدين، بينما تتراجع المقاربات التي تقدم فهماً أكثر اتزاناً وتنوعاً. هذا الوضع لا يعكس بالضرورة طبيعة الدين في المجتمعات، بل يعكس منطق العمل داخل المؤسسات الإعلامية، حيث تتقاطع متطلبات السرعة والجاذبية مع محدودية الموارد، لتنتج تمثيلاً جزئياً يميل إلى الاختزال.