تبدو المفارقة محيرة في الأروقة الأكاديمية الغربية؛ فبينما تُرفع شعارات "الموضوعية" و"الحياد العلمي"، يُمحى بجرة قلم تراث يمتد لأكثر من ألف عام من علوم القرآن والتفسير، ليُختزل في أفضل الأحوال إلى مجرد "مادة خام" أو "أساطير دينية" تفتقر للدقة والمنهجية. هذا المشهد يجسد تماماً ما يمكن تسميته "الاستعمار الفكري"، وهو شكل من الهيمنة الصامتة التي لا تحتاج إلى ترسانة عسكرية للسيطرة، بل تعمل على إعادة صياغة وعي الشعوب بتاريخها ومنظوماتها المعرفية. وفي هذا الفضاء المعقد، تأتي أطروحة الباحث جوزيف لومبارد لتفكك هذه البنية، داعية إلى ضرورة "إنهاء الاستعمار" في الدراسات القرآنية وإعادة الاعتبار لمنظومة فكرية أُقصيت عمداً من المشهد المعرفي العالمي.
ولم ينتهِ الاستعمار برحيل الجيوش، بل امتد ليتجذر في حقل إنتاج المعرفة عبر ما يُعرف بـ "الاستعمار الإبستمولوجي". وتستند هذه الهيمنة إلى ما يصفه عالم الاجتماع بوانتورا دي سوزا سانتوس بـ "التفكير الهاوي" أو السحيق، وهو خط وهمي غير مرئي يفصل بين المعارف الغربية، التي تُدرج تلقائياً في خانة العلم والفلسفة، ومعارف الشعوب الأخرى التي تُصنف كمعتقدات ذاتية أو انطباعات غير قابلة للقياس والتحليل العلمي. هذا الفصل التعسفي يجعل التقاليد العلمية الإسلامية العريقة تبدو في الوعي الأكاديمي الغربي وكأنها غير ذات صلة بالبحث الرصين، وهو ما يتقاطع مع مقولة المؤرخ جون هنريك كلارك بأن السيطرة على أي شعب تبدأ من التحكم في رؤيته لنفسه وتاريخه، وحين يدفعك المستعمر للخجل من هويتك وثقافتك، فإنه لن يحتاج إلى جدران أو سلاسل ليقيدك داخل سجنه.
وتتجلى هذه التراتبية المعرفية في اختزال دور الباحث المسلم داخل الأكاديمية الغربية إلى مجرد "مزوّد معلومات" أو "ناطق أصلي ساذج". فبينما يُستأمن هذا الباحث على نقل النصوص وشرح المفردات اللغوية، يُنظر إليه كشخص غير مؤهل لصياغة النظريات التحليلية الكبرى أو ممارسة النقد التاريخي المتطور. هذا التهميش يغذي ما يطلق عليه الباحث وليد صالح "المغالطة التأثيلية"، حيث يميل طيف واسع من المستشرقين إلى التعامل مع القرآن كـ "شظايا لغوية متناثرة" مشتقة من لغات قديمة، متجاهلين الوحدة البنائية والمعنوية العميقة التي كشف عنها التراث التفسيري، ومحتكرين لأنفسهم حق تفكيك النص بعيداً عن سياقه الأوسع وأصحابه.
ومن أبرز سقطات المنهجية الغربية محاولة فرض أدوات "النقد الكتابي" الخاص بالعهد القديم والجديد على النص القرآني، وهي المقاربة التي انتقدها لومبارد في أعمال باحثين مثل أنجليكا نيوفيرث. إن المطالبة بفصل النص القرآني عن تراثه التفسيري تتجاهل تباينات تاريخية وعلمية جوهرية؛ فأقدم مخطوطات العهد القديم تفصلها فجوة زمنية تمتد لأكثر من ألف عام عن تاريخ تدوينها المفترض، في حين يمتلك القرآن مخطوطات وثيقة تعود إلى العقود الأولى من الوحي. علاوة على ذلك، فإن الكتاب المقدس يمثل "مكتبة" نصوص صاغها مؤلفون متعددون على مر القرون، بينما قُنن القرآن في إطار زمني وجيز للغاية عقب نزوله. وتدعم التحليلات الإحصائية والأسلوبية الحاسوبية الحديثة هذا الاتساق اللغوي العالي وفرضية "المؤلف الواحد"، فضلاً عن تميز التراث الإسلامي منذ بداياته بوعي تاريخي صارم تمثل في "علم أسباب النزول"، وهو ما يفتقر إليه السياق المبكر للتقاليد اليهودية والمسيحية.
ولسنوات طويلة، هيمنت "المدرسة المراجِعة" بنظريات تحاول تصوير الرواية الإسلامية حول تدوين القرآن كنوع من "الخيال التاريخي". لكن هذا المنظور شهد تحولاً جذرياً في الآونة الأخيرة بفضل أدلة مادية قاطعة؛ إذ أثبتت دراسات حديثة قادها باحثون مثل بهنام صادقي وأوي بيرغمان، عبر تقنيات التأريخ بالكربون وتحليل السمات الإملائية الدقيقة، أن المخطوطات القديمة تتطابق تماماً مع ما نقله المسلمون مشافهة وكتابة عبر القرون. هذه الاكتشافات العلمية دحضت مزاعم مستشرقين مثل جون وانسبرو، الذي ادعى تأخر التدوين إلى القرن الثالث الهجري، وأكدت أن العلم الحديث ينصف اليوم ما كان يُصنف في الغرب كأساطير مأثورة.
وفي هذا السياق، ينتقد لومبارد دعوات "تحييد اللاهوت" التي يروج لها باحثون مثل كارل إرنست، مبيناً أن ادعاء "الحياد" في القراءة العلمانية للقرآن ليس سوى وهم إبستمولوجي. فهذه القراءات تأتي محملة بافتراضات أيديولوجية غربية تفرض وصايتها على النص وتحاول نزع أبعاده الغيبية، وهو ليس منهجاً علمياً مجرداً بل انحياز مسبق يرفض الاعتراف بالمنظور الإسلامي للعالم. وكما يوضح المفكر وائل حلاق، فإن القاسم المشترك للأكاديمية الاستشراقية يظل هو الاستعلاء المعرفي، حيث يأتي التسامح مشروطاً بغطرسة تفترض - بوعي أو بدون وعي - صحة المشروع الغربي الحديث الموجه بمبادئ التنوير.
إن الغاية من أطروحة لومبارد لا تكمن في الانكفاء على الذات أو الانعزال، بل في التأسيس لـ "بيئة معرفية شاملة" تعترف بتعدد طرق الفهم البشري وتنهي الهيمنة الأحادية. فلا يمكن لبيئة بحثية أن تدعي النزاهة والموضوعية وهي تمارس إبادة معرفية صامتة لتراث أمة كاملة. إن ألف عام من علوم القرآن ليست مجرد بقايا ماضٍ، بل هي أدوات تحليلية رصينة قادرة، إذا ما دُمجت بإنصاف مع المناهج الحديثة، على فتح آفاق جديدة لفهم النص في سياقاته التاريخية والروحية. ويبقى السؤال التأملي قائماً: هل يمكن للعلم أن يبلغ الموضوعية حقاً إذا كان يصر على عدم سماع صوت الآخر إلا من خلال مرآته الخاصة؟
إستمع إلى : نحو إنهاء الاستعمار المعرفي في الدراسات القرآنية


