يروي عالم الأحياء التطورية دومينيك جونسون أن عالِمًا أمريكيًا زار منزل نيلز بور، الفيزيائي الدنماركي الحائز على جائزة نوبل، ففوجئ بوجود حدوة حصان معلقة فوق مكتبه. سأله العالم الأمريكي باستغراب: هل حقًا تؤمن أن الحدوة ستجلب لك الحظ، أيها البروفيسور؟ أجاب بور ضاحكًا: لا أؤمن بهذا، لكنني سمعت أن الحدوة تجلب الحظ سواء آمنت بها أم لا. تلخّص هذه الحكاية حقيقة إنسانية عميقة: الإنسان لا يكفّ عن البحث عن نمطٍ ومعنى في الأحداث يتجاوز علاقات السبب والنتيجة، حتى لو اعتقد أن تفسيره للعالم قائم على العلم فقط.
جذور الإيمان بالعقاب الإلهي
يذهب دومينيك جونسون إلى أن الحاجة إلى إيجاد معنى غير طبيعي في الأحداث الطبيعية ظاهرة كونية متأصلة في الطبيعة البشرية، وتؤدي دورًا محوريًا في الحفاظ على النظام الاجتماعي. هذه الحاجة تمتد عبر مختلف الثقافات والحقب التاريخية، من المجتمعات القبلية الأصلية إلى الديانات العالمية الحديثة، وتشمل حتى الملحدين. الإيمان بالثواب والعقاب الإلهي يعزز التعاون الاجتماعي بشكل لا يضاهيه شيء آخر، فالاعتقاد بأن أفعالنا تُراقَب وتُحاسَب من عالم خارج الطبيعة ليس بقايا خرافات قابلة للزوال، بل تكيّف تطوري يصاحب الوجود الإنساني.
الملحدون الجدد ومعضلة الدين
يشكّل هذا الاستنتاج صدمة للجيل الحالي من الملحدين الجدد، أمثال ريتشارد دوكينز ودانيال دينيت وسام هاريس، الذين يرون في الدين مزيجًا سامًا من الأكاذيب والأوهام. يعتبر هؤلاء الملحدون الجدد أن العقل البشري ملكة تسعى للوصول إلى تمثيل دقيق للعالم، ما يطرح أمامهم إشكالًا: لماذا يتمسك معظم البشر، في كل مكان وزمان، بشكل من أشكال الدين؟ تفسيرهم الوحيد أن العقول البشرية شُوِّهت بفعل كهنة خبثاء ونخب متسلطة. ينجذب الملحدون دائمًا لهذا النوع من التفسيرات الشيطانية، وإلا فلن يستطيعوا تفسير استمرار المعتقدات التي يصفونها بأنها لاعقلانية وخطرة.
الدين تكيّف تطوري وليس خطأ فكريًا
من منظور تطوري، إذا كان الإيمان بالخارق طبيعيًا عند البشر، فالديانات ليست أخطاء فكرية، بل تكيّفات مع تجربة العيش في عالم غامض ومحفوف بالمخاطر. يقدّم كتاب "الإله يراقبك" لجونسون محاولة شاملة وجذّابة لإظهار كيف يمكن للإيمان بالعقوبات الخارقة أن يكبح المصلحة الذاتية قصيرة الأمد ويعزز التضامن الاجتماعي. أحد الأدلة المهمة دراسة رائدة لعالِمَي النفس عزيم شريف وآرا نورنزايان، تصف تجربة "لعبة الديكتاتور" في نظرية الألعاب، حيث يُعطى المشاركون مبلغًا من المال مع حرية تقسيمه كما يشاؤون مع شخص مجهول. أظهرت الدراسات أن الأفراد الذين تعرضوا لمفاهيم ومعتقدات دينية عادة ما يتخلّون عن حصة أكبر من المال.
الخوف من العقاب أقوى من رجاء المكافأة
كشفت تجربة لاحقة أن الخوف من العقاب الخارق كان أكثر فعالية في كبح السلوك الأناني من الأمل في الثواب الخارق. رغم أن صورة إله يراقب أخطاءنا توحي بعالم خانق، وفكرة السيطرة على البشر عبر الخوف تشير إلى نظرة قاتمة للحيوان البشري، يبدو أن الإيمان بإله عقابي يمكن أن يشكّل رادعًا قويًا للسلوك الفردي من أجل النظام الاجتماعي. قد يعترض كثيرون بأن الأخلاق التي تفرضها المعتقدات الخارقة غالبًا ما تكون قمعية، وهذا صحيح، لكن من الصعب رؤية أي أساس يمكن للملحدين الجدد الاستناد إليه لإنكار أن الأخلاق غير الليبرالية يمكن أن تحمل قيمة تطورية. فقلة من المجتمعات ظلّت ليبرالية لفترات طويلة، وقد تكون القيم الليبرالية مجرد ومضة عابرة في العملية التطورية.
محدودية النظرية والاستثناءات التاريخية
ليست جميع الديانات تركّز على كائن خارق يهتم بشكل أساسي بمعاقبة الأخطاء. في البانثيون اليوناني القديم، الآلهة قد تكون متقلّبة وغير متوقعة مثل البشر أو أكثر، فهرمس، راعي اللصوص والتجار والخطباء، كان يُحتفى به لاستخدامه الحيلة للتفوّق على الناس والآلهة الأخرى. الحضارتان الرومانية والبابلية عزّزتا ممارسات كثيرة تتعلق بالخارق، لكن آلهتهما لم تكن أخلاقية بشكل خاص ولا معنية بمعاقبة منتهكي معايير السلوك الحسن. يقرّ جونسون بهذه المشكلة، لكنه يعتبرها حالات شاذة، مؤكدًا أن ما يهمّ الاتجاه العام، فالآلهة المتقلّبة ليست مشكلة لنظرية العقاب الخارق أكثر من السياسيين الفاسدين بالنسبة لنظرية الحكم الديمقراطي.
الإلحاد كإيمان بديل
يخصص جونسون فصلًا طويلًا لما يسمّيه "مشكلة الملحدين"، محاججًا أنهم، مثل بقية البشرية، "ميّالون للتفكير الخارق"، الذي يستمر فيهم على شكل "معتقدات وسلوكيات خرافية". لكن الأهم أن حركات الإلحاد في القرون الماضية تشهد على مطلب معنى قادها لاستنساخ أنماط التفكير المميزة للتوحيد، خاصة المسيحية. بالنسبة للمسيحيين، التاريخ البشري ليس تعاقبًا لا نهائيًا من الدورات، كما كان عند اليونانيين والرومان القدماء، بل حكاية من نوع مميز، حيث تجد البشرية معنى الحياة عبر سرد أسطوري تكافح فيه نحو الخلاص. أفكار ماركسية وليبرالية مثل "الاغتراب" و"الثورة" و"مسيرة البشرية" و"تقدّم الحضارة" هي أساطير خلاصية متخفية.
استحالة التخلّي عن الدين
الإلحاد كحركة منظّمة كان دائمًا إيمانًا بديلًا، والإلحاد الإنجيلي هو الإيمان بأن التحوّل الجماعي نحو انعدام الإيمان يمكن أن يحوّل العالم، وهذا وهم. إذا كان تاريخ القرون القليلة الماضية دليلًا، فعالم بلا إله سيكون عرضة للصراعات الوحشية مثلما كان العالم دائمًا. يخلص جونسون إلى أن الاستغناء عن الدين قد يكون خطوة غير حكيمة، لكن منطق حجّته يشير في اتجاه مختلف تمامًا: إذا كان الدين تكيّفًا تطوريًا، فتحويل البشرية عنه ليس غير حكيم فقط، بل مستحيل ببساطة. مفارقة الإلحاد الجديد أنه سابق للداروينية، فالأديان توفّر ما لا يستطيع العلم تقديمه، لكن معظم الناس لا يزالون يريدونه بشدة.
المصدر: New Statesman


